بقلم : سعيد العبسي الأربعاء 31-10-2012 الساعة 12:00 ص

البحث والتطوير والتنمية الاقتصادية

سعيد العبسي

الكثير من الدراسات والأبحاث وواقع الحال يشير إلى التخلف الشديد الذي يعاني منه عالمنا العربي في مجالات البحث والتطوير والأدلة والشواهد على ذلك لا تحصى هذا برغم كل المقولات والادعاء والظهور على شاشات التلفزة، وفي المؤتمرات والندوات العامة والمتخصصة لبحث هذا الموضوع والشيء الذي لا يختلف عليه أحد سواء أكان في موقع المسؤولية المباشرة في القطاع الخاص أو العام أو كانوا معنيين ومهتمين ومختصين هو التأكيد على أهمية البحث والتطوير وتقديم الدعم لدور البحث والتطوير وكذلك هذا الحديث النظري الاستعراضي الذي لا يقدم ولا يؤخر في واقع الحال شديد الأسف والمرارة.

إن الجميع يدرك مدى الأهمية القصوى لمسألة البحث والتطوير والتعليم العالي فيما يمتد بآثاره ونتائجه على مجمل حياتنا وفي مجالاتها الرحبة "التنمية" بكل أبعادها البشرية والاقتصادية والاجتماعية إلخ، فمن خلال زيادة المعرفة وتطويرها وتدجينها لخدمة الإنسان فهي بهذا السباق تعتبر عنصراً من عناصر الإنتاج المادية ولا تقل أهمية وحيوية، ففي التوسع في الأبحاث والتطوير والمعرفة نصل إلى نتيجة على غاية من الأهمية ألا وهي زيادة القدرة الإنتاجية وما يتبعه من زيادة فرص التنمية بكافة وجوهها المنشودة وهذا ما تشير إليه بعض الدراسات التي تقول بأن تقدم التكنولوجيا يساهم بنسبة تتراوح ما بين %80 إلى %90 في زيادة إنتاجية العمل أياً كان.

       إن تردي الاهتمام بموضوع البحث والتطوير والتعليم العالي والمعرفة العلمية مرده بشكل أساسي إلى عدة عوامل مهمة منها قلة الاتفاق بل عدمه في كثير من الأحيان على ما تعتقد وتؤمن بأنه على درجة عالية من الأهمية لحاضرنا ولمستقبل أبنائنا مقارنة مع ما يبذل على مظاهر الترف واللهو…إلخ وليس أدل على ذلك إلا عمل مقارنة ما ينفقه العالم كنسبة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي على البحث والتطوير حيث تصل النسبة ما بين 1.4% إلى 3% في حين أن العالم العربي لا ينفق إلا حوالي 0.2% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي والذي في الغالب يذهب القسط الأكبر منه إلى بند الرواتب بحيث لا يبقى شيء ينفق على الدراسات والأبحاث وكل ما تستلزمه عملية البحث والتطوير من الأجهزة والمعدات والمختبرات العلمية واستقطاب الكفاءات المناسبة.

 ويلاحظ كذلك قلة الحوافز والمنشطات بكل صورها لرعاية الكفاءات وحفز الموهوبين على الإبداع وفي دعم المؤسسات العلمية المختصة بكل سبل الرعاية وإعطائها الاستقلالية الكاملة لإدارة شؤونها بحيث لا يكون هناك ما ينغص عليهم عملهم أي شيء بل تهيئة كل الظروف من مادية واجتماعية وقانونية ومغريات بحيث لا يبقى للباحث أو الموهوب شيء يفكر به إلا العمل والدراسة والبحث والتطوير ليل نهار وألا يجد منا إلا كل الدعم والتقدير.

       إن عملية رعاية البحث والتطوير يجب أن ترتكز على توافر عنصريها وهما البشر وتوافر المال المرصود لهذه العملية… إن التمنيات والرغبات والخطب والمقولات لا تكفي ولا تعطي نتيجة عملية لما نريد أن نرغب به وأن العملية تحتاج إلى إرادة سياسية فولاذية بأننا نريد استقطاب كل كفاءة ممكنة وأن نفتش وأن نبحث عن كل عقل سواء أكان في الروضة أو المرحلة الإلزامية أو الثانوية أو الجامعة أو حتى خارج كل هذه الأطر وأن يعطي كل ما يمكنه أن يعمله بكل تفان لخدمة حاضر ومستقبل وطنه وأن تكون المسألة ثقافة عامة في المدرسة والمناهج والمجتمع وليست ثقافة محصورة بعدد من المختصين.

       إن الموهبة موجودة في كل البشر وليست مرتبطة بأمة بعينها ولكن تريد من يرعاها بكل ما في الكلمة من معنى وأن الكفاءات العربية موجودة في كل بقعة من بقاع العالم والتي هاجرت ولأسباب عديدة وعلى رأسها الرعاية والتقدير المادي والمعنوي توفر الإمكانات اللازمة للبحث والتطوير من أجهزة معدات ومختبرات، فإن الغالبية العظمى من الكفاءات العلمية المشهود لها جاهزة لأن تعود إلى أوطانها إن هي وجدت كل الإمكانات المتاحة لأن تواصل إبداعاتها لخدمة اقتصادات ومستقبل أوطانها.

       إننا نتطلع إلى وجود مؤسسة علمية عربية مستقلة مالياً وإدارياً تتولى الاهتمام ورعاية مسائل البحث والتطوير في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والصناعية والزراعية….إلخ وأن يكون همها الوحيد هو العمل بكل مهنية وعلمية وأن ترعى كل الموهوبين وأن تقدم لكل العلماء والخبراء كل الوسائل والإمكانات التي تجعلهم يواصلون الإبداع خدمة لأوطانهم وأمتهم، وذلك من القناعة التي تقول إن لدينا الشيء الكثير الذي يمكن عمله على هذا الصعيد وما نريده هو تطويع كل شيء خدمة لتحقيق غاياتنا وأهدافنا من البحث والتطوير باعتباره أداة هامة من أدوات التنمية، بل هو التنمية بذاتها.

 

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"