بقلم : حسن حاموش الأحد 30-06-2013 الساعة 12:00 ص

قراءة شاملة في رؤية سموه للملفات الداخلية والسياسات الخارجية

حسن حاموش

حظي الخطاب الأول لصاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، باهتمام كبير من جميع وسائل الإعلام العربية والعالمية التي تنافست على قراءة مضمون الخطاب وتحليله وتفسيره وتأويله، وقد تقاطعت تلك القراءات في بعض الأحيان وتباينت أحيانا. غير أن أهمية الخطاب تكمن في عنصرين مهمين، أولهما أنه كان بمثابة إيذان بشروق شمس القيادة الشابة من دوحة العرب لتسطع أنوارها على العالمين العربي والإسلامي، وثانيهما أنه يبلور ملامح المرحلة المقبلة لنهج الحكم الذي اختاره أمير الشباب. صحيح أن جوهر الخطاب أكد أن الثابت والراسخ في سياسة سمو الأمير المفدى أنها ستكون امتدادا لنهج سمو الأمير الوالد، خصوصا في المبادىء والثوابت والمسلمات. لكن مع التمايز في الأسلوب والتكتيك والأدوات التي تحاكي تطلعات الشباب وروح العصر.وتتجلى هذه الروح في مضمون الخطاب الذي يستخلص منه اثنتا عشرة نقطة تغطي جميع القضايا التي تهم الداخل والخارج.

لقد اختار سمو الأمير تميم أن يبدأ خطابه بالوفاء لأمير العز مشيدا بما صنعه سموه من إنجازات رائدة بلغت حد المعجزة الحقيقية في جميع المجالات، ملخصا سمات حكم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بأنها علامة فارقة في تاريخ قطر، شهدت ثورة متدرجة وشاملة انتهت بإنجازات عملاقة، واصفا سموه بأنه شخصية فريدة تجمع الحكمة والعاطفة وحسن التخطيط والتدبير ويحظى بمحبة شعبه وله مكانة خاصة في قلوب الجميع.

هذه المكانة اكتسبها سمو الأمير الوالد لأنه ـ كما يقول سمو الأمير تميم ـ تولى القيادة في قطر حين كانت دولة عالقة في الماضي غير قادرة على النهوض والتطور، فوضع مشروعا إصلاحيا ونموذجيا تحولت معه قطر من دولة بالكاد تعرف على الخريطة إلى دولة راسخة البنيان وفاعل رئيسي في السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة على مستوى العالم. ولذلك فإن باني دولة قطر الحديثة ورائد قطر ونهضتها غادر منصبه في خطوة غير مسبوقة وهو منتصب القامة وفي قمة عطائه.

نجاح سمو الأمير الوالد بتحقيق معجزة النهضة التي أبهرت العالم، أثارت حسد الحاسدين الذين أساؤوا لقطر وأهلها. وعلى هذا الأساس جاءت النقطة الأولى في الخطاب وهي الأولوية التي حددها سمو الأمير تميم بالحفاظ على موقع قطر الذي ارتقى من دولة تصارع على بقائها ونموها إلى دولة راسخة المكانة والبنيان. وقد أوضح سموه أن الحفاظ على مكانة قطر يقوم على مبدأ تحقيق الفائدة لأهل قطر وإفادة الآخرين مع شرط بالغ الأهمية وهو تجنب الغرور لأنه يقود إلى الأخطاء بينما التواضع الذي عرف به القطرييون هو سمة الأقوياء الواثقين من أنفسهم.

وجاءت النقطة الثانية لتكون العنوان الأبرز لعهد سموه وهو العدل والإنصاف، حيث قال سموه: إن ما يصنع الولاية الرشيدة عند الأمة هو العدل والصدق والقدوة الحسنة، مستلهما من القرآن الكريم الآية الكريمة: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل".

أما النقطة الثالثة فكانت إعلان سمو الأمير المفدى استجابته لنداء الواجب وعزمه على حمل الراية التي سلمه إياها سمو الأمير الوالد بكل فخر واعتزاز على رفعها عاليا تماما مثل فعل الأسلاف العظام. وهو بذلك يؤكد عزيمة على إدارة شؤون البلاد بكل مسؤولية واقتدار. وجاء برنامج عمل سمو الأمير في المرحلة المقبلة في مضمون النقطة الرابعة التي تضمنها خطاب سموه وهي رؤية قطر 2030 واستراتيجياتها الوطنية وخططها التنفيذية. وهذه الرؤية تضع مصلحة قطر وشعبها على رأس سلم الأولويات التي تشمل الإنسان والمجتمع والاقتصاد والسياسة والهوية والثقافة. قد باتت الرؤية واستراتيجياتها معلومة من الجميع خصوصا وأن العمل جار على تنفيذها وفق خطط خمسية تضمن الارتقاء بجميع مقومات الدولة إلى أعلى المستويات العالمية، وتحقيق أرفع معدلات الرفاهية والنماء والازدهار للشعب القطري.

النقطة الخامسة تناولت موضوعا التبس على البعض، ولذلك كان لابد من توضيحه، وهو أن تغير شخص الأمير في دولة قطر لايعني أن التحديات والمهام قد تغيرت لأن قطر أصبحت دولة مؤسسات، وهذا معناه أن مسؤولية كل وزارة ومؤسسة وهيئة أن تقوم بواجباتها وفقا للقانون بغض النظر عن المسؤول أو الشخص الذي يديرها. وبالتالي فإن استمرار العمل وفقا للأطر القانونية، يتطلب عملا دوؤبا لمواجهة التحديات التي تشمل الاستثمار في صناعة النفط والغاز والبنى التحتية وتنويع مصادر الدخل والاستثمار الواثق لصالح الأجيال. وقد شدّد سموه على أن التحدي الأبرز يبقى تنمية الإنسان بوصفه أغلى ثروات الوطن.

وتناولت النقطة السادسة في خطاب سموه أولوية النهوض بالاقتصاد الوطني، وبناء المرافق العامة وتطوير الخدمات، وقطاع الشباب والرياضة، وإعادة هيكلة الوزارات لتقليل الازدواجية، بحيث تكون جميع المجالات العامة تحت مسؤولية وزارات واضحة ومحددة.

وفي النقطة السابعة سلّط سمو الأمير المفدى الضوء على قضية بالغة الأهمية وهي الشفافية والجودة، حيث قال سموه: "عندما يتعلق الأمر بالتنمية البشرية لايقتصر الموضوع على مفهوم النمو كزيادة في معدل دخل الفرد بل يصبح الموضوع تحسن أدائه ونبل قيِّمه وجديته وإنتاجيته في العمل وإخلاصه لوطنه". وهكذا يرسم سموه الحد الفاصل بين النمو وبين التنمية الشاملة المستندة إلى جودة العمل والإنتاج وليس تخمة الثروة. ولذلك يوضح سموه أن الثروة دون معايير للتنمية تؤدي إلى إفساد الفرد ونشوء الشخصية الاتكالية وغير المنتجة. ويحدد سموه السبيل للوصول إلى الغاية المنشودة بتطوير الاستثمار في مجالات الصحة والتعليم والثقافة والرياضة،

مشددا على النجاح ليس بحجم الاستثمار بل بالنتائج والمخرجات. وهذا الأمر يستدعي الشفافية والتوقف باهتمام كبير عند النتائج داعيا إلى عدم التهاون إذا لم تؤت الاستثمارات النتائج المطلوبة، وذلك حتى لاتتحول الفائدة المرجوة إلى ضرر.

وحتى لايبقى هذا الموضوع البالغ الأهمية موضع تأويلات ملتبسة، فقد تحدث سمو الأمير بصراحة متناهية عن سبب عدم الحصول على النتائج المرجوة وقال: لاتتحقق النتائج المرجوة إذا حصل سوء تخطيط أو سوء إدارة أي باختصار سوء أداء ورعت تقارير غير صحيحة والتستر على أمور لايجوز التستر عليها وتحتاج إلى المعالجة الفورية.

هذا الوضوح الذي يبشرنا بعصر الشفافية والجودة أضاف عليه سمو الأمير المفدى نقطة أخرى لاتقل أهمية وهي عدم المجاملة في التعيينات، حيث قال: "لايجوز أن يعتبر أحد أن له حق أن يتعيّن في منصب أو وظيفة عمومية دون أن يقوم بواجباته تجاه المجتمع والدولة".

تقوم سياسة قطر الخارجية، على احترام قطر لالتزاماتها الإقليمية والدولية بما فيها الوعود الشفوية والعقود والمعاهدات، وقد حرص سمو الأمير على تحديد ماهو أعمق من ذلك حيث قال: نحن قوم نلتزم بمبادئنا وقيمنا، لانعيش على هامش الحياة، ولانمضي تائهين بلا وجهة ولاتابعين لأحد ننتظر منه توجيها لأنه أصبح السلوك المستقل من المسلمات في قطر التي تملك رؤية واضحة.

فقد كانت بشرى لكل المظلومين والمضطهدين في العالمين العربي والإسلامي، حيث أعلن سمو الأمير المفدى أن أبواب قطر مشرعة أمام كل مظلوم وأمام كل طالب حق، مؤكدا أنها ستبقى كعبة المضيوم، مثلما قالها مؤسس الدولة الشيخ جاسم بن محمد ورددها بعده سمو الوالد، وستبقى قطر على هذا العهد في نصرة المظلومين. وعلى هذا الأساس يأتي انحياز قطر إلى قضايا الشعوب العربية والوقوف مع تطلعاتها للعيش بحرية وكرامة بعيدا عن الفساد والاستبداد.

وفي موازاة ذلك النقطة الثامنة تكرس الانفتاح والتوازن في العلاقات الدولية والإقليمية، وذلك استنادا إلى مبدأ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة في الانفتاح على دول الشرق والغرب في أمريكا وأوروبا وآسيا وإفريقيا. مع الحرص على الحفاظ على أفضل العلاقات مع جميع الحكومات والدول.

إن ما تضمنه خطاب سمو الأمير يعتبر برنامج عمل متكامل للعهد الجديد في قطر، والذي سيكون عهدا ذهبيا ساطعا بفضل روح العصر وحيوية الشباب التي أضافها سموه على النهج العريق المستمد من رؤية سمو الأمير الوالد. وسيبقى هذا الخطاب مرجعا لكل الإعلاميين والدبلوماسيين والمهتمين بالشأن القطري.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"