بقلم : حسن حاموش الإثنين 21-05-2012 الساعة 12:00 ص

عندما تغيب قطر عن لبنان يغيب الأمل بمستقبل أفضل

حسن حاموش

كان من المفترض أن يحتفل اللبنانيون بالذكرى الرابعة لاتفاق الدوحة الذي أنقذ لبنان من حرب أهلية طاحنة. وكان من المفترض أن تترجم الحكومة اللبنانية عبارة "شكراً قطر" المزروعة في قلوب اللبنانيين بخطوات ترد الجميل لقطر حكومة وشعبا. لكن تجار السياسة في لبنان ـ هذا البلد الذي أنعم الله عليه بأجمل طبيعة، وابتلاه بأسوأ طبقة سياسية ـ انقلبوا على أنفسهم ومبادئهم قبل أن ينقلبوا على الاتفاق الذي أحيا الأمل في نفوس اللبنانيين.

لقد كان من غرائب الصدف أن تتزامن الذكرى الرابعة لاتفاق الدوحة مع قرار النصيحة بعدم سفر القطريين إلى لبنان وهو القرار نفسه الذي اتخذته حكومات الإمارات والبحرين والكويت. وكان وقعه شديد الألم في نفسي وفي نفوس كل اللبنانيين الأحرار، نظراً لما ينطوي عليه من دلالات سياسية بالغة الأهمية توحي بأمرين جوهريين أولهما غياب الثقة بقدرة الحكومة اللبنانية على السير في طريق الحلول السياسية للخروج من دوامة التجاذبات الإقليمية وثانيهما أن الساحة اللبنانية انكشفت أمنيا وباتت على شفير الانزلاق نحو دوامة العنف والفوضى.

 ربما كان يمكن النظر إلى الأمر وكأنه مجرد غيمة صيف يمكن تجاوزها بسهولة لو جاء قرار حظر السفر من دولة أوروبية أو أجنبية فقد اعتاد اللبنانيون خلال العقود الماضية على قرارات كهذه لكن أن يأتي القرار من قطر فإن الموضوع يكتسب أهمية خاصة ذلك لأن قطر شملت لبنان بالرعاية والاهتمام والدعم بما لا تختصره كلمات ولا تعبر عنه مواقف وشعارات.

فما قدمته قطر يفوق الوصف والتعبير ويستحق من كل لبناني الثناء والتقدير.

لقد بادرت قطر بالدعم يوم أحجمت كل الدول المتقاسمة للنفوذ في لبنان وقدمت بسخاء يوم احتجبت جميع الدول عن المساعدة والعطاء. والأكثر من ذلك أن كل ما فعلته قطر لأجل لبنان لم يرتبط يوما بمقابل أو بمصالح ولا بمشاريع سياسية كحال سائر اللاعبين الإقليميين والدوليين على الساحة اللبنانية.. فالكل يجمع على أن قطر لم تشترط حصة في وزارة أو برلمان لتقديم الدعم ولم تفرض الإملاءات لتسمية وزير أو وكيل.. قطر ساعدت لبنان بعيدا عن كل المكاسب، كما هو حال أبنائها الكرام يهبون لفعل الخير ونجدة كل محتاج ولا يرتجون جزاء أو شكورا حسبهم أنهم يقرضون الرحمن قرضا حسنا.

إن عطاءات قطر للبنان لا يمكن تعدادها وحصرها، فهي سيرة مجيدة يكتبها التاريخ في صفحات مشرقة لتنير عقول الأجيال المقبلة أما ما قدمته قطر للبنانيين المقيمين على أرضها فتلك حكاية أخرى تتجسد فيها أسمى معاني الرعاية والأخوة والإيثار ومآثرها خالدة في الأذهان ترددها قلوب وألسنة أبناء الجالية حتى بلغ بهم الأمر أن يتوقوا إلى الدوحة أكثر مما يتوقون إلى وطنهم خصوصا أن الرعاية الخاصة التي شملتهم بها قطر جعلتهم يشعرون بالحصول على حقوق وامتيازات لا يحصلون عليها في بلدهم.

لقد كانت قطر الدولة الوحيدة التي شرعت أبوابها للبنانيين إبان حرب يوليو 2006 وسمحت لهم بالدخول دون تأشيرات وقدمت لهم الكثير وفتحت أمامهم فرص العمل وأبواب التوظيف في جميع المؤسسات واحتضنتهم بأرقى مستويات الكرم والضيافة الأخوية.

أمام كل هذه العطاءات أشعر بمرارة أشد من الحنظل إذ كيف يغمرك أهل الدوحة بكرم الضيافة والرعاية وأنت تقف عاجزا عن القيام بالواجب ورد الجميل لأهل الدوحة.. قاسية تلك اللحظة التي يشعر فيها اللبناني المقيم في الدوحة بأن حكومته عاجزة أو متواطئة أو مقصرة عن تقديم أصول الكرم والضيافة لكل مواطن قطري يطأ أرض لبنان.

لكن ما يدفعني للكف عن جلد الذات هو أن حكومة لبنان باتت عاجزة عن توفير الأمن والاستقرار لشعبها وهاهي أخبار الانفلات الأمني تتصدر نشرات الأخبار وهاهي الصراعات المذهبية تعم المناطق وهاهي لغة السلاح والمليشيات تعود إلى الأحياء والزواريب.. إنها بداية الانزلاق إلى أتون الحرب والفوضى التي طالما بذلت قطر الجهود الجبارة للحؤول دونها وإنقاذ لبنان عبر إحياء مؤسساته الدستورية ورئاساته الثلاث وأن يعمه الاستقرار والسلام والازدهار.. لقد أرادت قطر أن يكون لبنان وطنا لجميع أبنائه فإذا بالطبقة السياسية اللبنانية تعيده ساحة إقليمية للصراعات والتجاذبات.. نستودع الله لبنان وأهله.

 

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"