بقلم : د. سليمان صالح الجمعة 17-02-2012 الساعة 12:00 ص

الإسلام وثورات التحرر.. رؤية استشرافية

د. سليمان صالح

بعد الحرب العالمية الثانية ثارت الشعوب ضد قوى الاستعمار القديم، واستطاعت أن تنتزع حريتها وتطرد الاحتلال بعد كفاح طويل، وكانت ثورة الجزائر من أهم وأبرز ثورات التحرر حيث قدم الشعب الجزائري أكثر من مليون شهيد.

لكن بعد انتصار ثورات التحرر بدأت الشعوب تواجه مشكلة هي كيف تبني نظامها السياسي والاقتصادي والثقافي؟

وكان من الطبيعي أن ترفض هذه الشعوب الرأسمالية والليبرالية باعتبارها أيديولوجية المستعمر الذي ثارت ضده، كما أن الرأسمالية لا يمكن أن تحقق هدفاً أساسياً من أهداف هذه الثورات وهو تحقيق العدالة الاجتماعية.

ولقد فهم الزعماء الذين وصلوا إلى السلطة عقب الاستقلال ذلك فاتجهوا إلى بناء نظم سلطوية ديكتاتورية مستبدة تكون فيها كل السلطات في يد الزعيم الذي تم إضفاء كل سمات البطولة عليه، ونسبة كل الإنجازات إليه، وتصويره باعتباره محرر الوطن وزعيم الملهم.

وقد استخدم الزعماء وسائل الإعلام لبناء صورتهم وترويج قراراتهم وإلهاء الجماهير وتزييف وعيها.

ولقد فهم الزعماء مزاج الشعوب وكراهيتها للاستعمار وأيديولوجيته، ولذلك قدموا له الاشتراكية باعتبارها الحل الذي يمكن أن يحقق العدالة الاجتماعية.

وللسيطرة على الجماهير تم التوسع في الوظائف الحكومية ذات الدخل القليل الذي يكفي بالكاد ضرورات الحياة.

نتيجة لذلك انتشرت البطالة المقنعة وأصبح هناك ملايين الموظفين الذين لا يقومون بأداء واجبات وظائفهم بحجة ضعف الراتب وكثرة الموظفين، كما انتشرت الرشوة والفساد والظلم وعدم كفاءة الإدارة وتزايدت خسائر المؤسسات.

في السبعينيات بدأت الدول النامية تواجه أزمات اقتصادية، وكحل لهذه الأزمات حاولت هذه الدول أن تتخلص من نظمها الإشتراكية، واتجهت إلى الانفتاح الاقتصادي وتشجيع القطاع الخاص.

وجاء انهيار أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي يزيد من جشع الرأسمالية وغرور أمريكا التي فرضت على دول العالم أن تخصخص شركاتها، وأن تتحول بشكل كامل للرأسمالية، وفي إطار هذه العملية تم نهب الكثير من ثروات الشعوب، وانتشر الفساد والرشاوى والعمولات في الوقت الذي تناقص فيه الإنتاج وتزايد الفقر.

وفي الوقت نفسه حاولت النظم الاستبدادية أن تقيم ديكوراً ديمقراطياً عبر انتخابات مزيفة أغلقت المجال أمام أي تغيير سلمي للسلطة.

وجاءت الثورات العربية لتضع نهاية لهذه المرحلة من التاريخ، ولتبدأ مرحلة جديدة أهم ملامحها أن الشعوب التي تحررت من الاستبداد قد عبرت عن شوقها للإسلام عبر صناديق الانتخابات.

لقد اختارت الشعوب الإسلام لتبني على أساسه مستقبلها، وعبرت عن أملها في أن يقوم الإسلاميون بقيادة هذه الشعوب لتحقيق النهضة والتقدم والاستقلال الشامل والحرية والعدالة.

وحتى الشعوب التي لم تقم فيها ثورات، وأتيحت لها الفرص لإجراء انتخابات حرة قامت باختيار الإسلاميين ومنحتهم ثقتها وأملها، وحملتهم المسؤولية لبناء المستقبل على أساس الإسلام.

وكل الشعوب العربية ستختار الإسلاميين في أي انتخابات حرة لأنهم يقدمون مشروعاً حضارياً أصيلاً تفهمه الشعوب.

لقد أصبح الإسلام هو الأمل الوحيد في بناء دول مستقلة وحرة، وفي تحقيق العدل وحماية حقوق الإنسان.

والإسلام هو اختيار الشعوب الذي ظهر واضحاً وجلياً في الانتخابات الحرة، وهو يقدم للبشرية إمكانيات التحرر من الاستعمار والاستبداد والرأسمالية والظلم والتخلف والفقر.

ولذلك تعمل القوى الاستعمارية بكل قوة لتعطيل تحول الشعوب إلى نظم ديمقراطية، وتحاول أن تمنع إمكانيات تحقيق النهضة الإسلامية حتى لا تصبح هناك نماذج جديدة لنظم حكم تحقق الحرية والعدالة فتتحول شعوب إفريقيا وآسيا لبناء نظم مشابهة وتقلد العرب في ثوراتهم الحديثة.

لكن الله وحده سيبطل مكائد ومؤامرات ومكر الدول الاستعمارية، وسيقود الإسلام خلال هذا العقد الشعوب لتحقيق الحرية والعدالة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"