بقلم : د. سليمان صالح الجمعة 13-01-2012 الساعة 12:00 ص

تأملات في معاني الموت والحياة

د. سليمان صالح

استسلمت لمشاعري الحزينة وأنا أسير في جنازة أمي وجلست ساكناً وهم يهيلون عليها التراب، ارتعش جسدي من شدة الخوف والبرد، لم أستطع أن أتكلم.. اختنق الصوت.. الناس حولي كثيرون لكنني كنت وحيداً مثل أمي التي تركوها وحدها داخل القبر.

وقفت أتلقى العزاء.. الناس يقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، وأنا أؤمن بذلك لكنني كنت أحتاج إلى أن يرددها الناس على مسامعي. إنها نعمة من الله أن يصافحك الناس في هذا الموقف ويذكرونك بهذه الحقيقة. البقاء لله وحده وكل البشر لابد أن يموتوا، يتساوى أمام الموت الأمير مع الفقير.

الأجساد تدفن في التراب، والأرواح تصعد إلى بارئها والناس يعودون ويتركون الإنسان وحيداً، ويبكي الأحباب فترة ويتلقون العزاء ثم ينسون.. هل يمكن أن أنساكِ يا أماه؟!!

الدنيا تشغلنا فننسى أحب الناس، لكن ماذا تعني تلك الدنيا؟ الحياة نعمة من الله فهل تُنسِينا النعمة المنعم، وكيف تشغلنا عن واهب الحياة، ومالك الملك؟!!

الناس يتصارعون في هذه الدنيا كالوحوش. يتفاخرون بالأنساب، يكنزون الأموال، ويتعالون بجاه زائف ومظاهر خادعة، وبعد فترة قليلة يموتون، ويتركون الأموال لأبناء لا يحسنون إنفاقها، وقد يستخدمونها في تدمير أنفسهم.

والله يعز من يشاء في هذه الدنيا، لكن الناس ينسون وهم يتمتعون بهذا الحب إنه ابتلاء من الله.

لقد ماتت أمي بعد ثلاثة أيام فقط من فوزي في انتخابات مجلس الشعب، وجاء آلاف الناس يهنئونني فشغلوني عن البقاء بجانب أمي في أيامها الأخيرة. وماتت أمي وجاء الناس يعزونني وبين التهنئة والعزاء مجرد ساعات.

هل كنت أحتاج إلى ذلك الدرس القاسي؟! ربما.. وهل يمكن أن أفهم الرسالة وأعرف معانيها؟!

تذكرت أنني كنت أسير على قدمي في الطريق إلى المقابر وأنا أودع أمي، وبعد فترة قليلة سأسير في ذلك الطريق محمولاً على الأعناق، ويهيلون على جسدي التراب، ويقولون لأحبابي إنا لله وإنا إليه راجعون.

تلك هي قصتي ولكن قبل أن تنتهي يجب أن أفهم الدرس. والحياة قصيرة وإن طالت وهي نعمة من الله يجب أن نشكره عليها، ولكن كيف؟

داود عليه السلام كان يقول يا ربي كيف أشكرك وشكري لك نعمة تستحق عليها الشكر!

كثيرون هم الذين أنعم الله عليهم بجاه وعز وأموال وقصور، لكنه حرمهم من نعمة الشكر، فتحول كل ذلك وبالا وويلات.

الخوف يملأ النفس والله وحده هو الذي نخافه ونرجوه، وكلما اشتد خوفنا منه زاد تعلقنا برحمته وكرمه.

وكلما زاد عطاء الله للإنسان زاد طمعه.. حسناً نحن نطمع في عطاء الكريم ورحمة الرحمن الرحيم.

وما أطيب العز والجاه عندما نستخدمهما لإرضاء الله لأن غاية حياتنا هي أن يرضى الله عنا، فإن رضي فقد فزنا.

والله سبحانه وتعالى أنعم علينا بالإسلام وأعزنا به، والحياة تكون طيبة وجميلة فقط عندما نعيش في ظلال الإسلام، وعندما نعبد الله كما أراد سبحانه أن يعبد في الأرض، وكما علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم.

الحياة يكون لها قيمة عندما نعمل لإعلاء كلمة الله، وتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية ليكون عبداً لله وحده.

والحياة يكون لها قيمة عندما نقيم العدل في الأرض وتلك من أهم وظائف الأمة الإسلامية.

والبشرية لم تنعم بالعدل إلا في ظل حضارة الإسلام وشريعته والإنسان يحتاج إلى أن يكون لحياته معنى قبل أن يحتاج إلى غذاء ومسكن وملبس وجاه.

والإسلام وحده هو الذي يعطي للحياة معناها، فالمؤمن لا يعيش ليتمتع كما تتمتع الأنعام لكنه يعيش ليعبد الله وليعمِّر الأرض ويبني الحضارة ويقيم العدل.

فهل جربنا أن نشكر الله على نعمة الإسلام؟ إنها أجمل وأفضل النعم، وبدونها لا يكون للحياة معنى ولا قيمة.

ولأننا مسلمون فنحن نتعلق دائما بالأمل في رحمة الله وكرمه، يزداد رجاؤنا فيه كلما زادت معرفتنا به.. ونطمع دائماً في عطائه، نخاف منه ونحبه، وغاية حياتنا أن نرضيه.

فإن نسينا ذكرنا موت الأحباب، وإن شغلتنا الدنيا وقصرنا في عبادته فإننا نطمع في عفوه ويزداد أملنا ورجاؤنا في رحمته ومن نعم الله علينا أن لنا أملاً في أن يجمعنا الله مع أحبابنا في جنته.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"