بقلم : د. سليمان صالح الجمعة 30-12-2011 الساعة 12:00 ص

الإسلام يقدم مفهوماً متميزاً للحرية

د. سليمان صالح

في بادية سيناء تعلمت عيناي أن تتجولا في ملكوت الله تكتشفان الجمال في أرض سخرها القادر العزيز الحكيم للإنسان ليسعد فيها ويبني ويعمر ويتعلم ويعلم ويتزوج وينجب، ويدافع عن الحق، ويقاتل من أجل الحرية التي وهبها الله له، فهي أجمل ما يمتلك، وإن سلبت فلا قيمة للحياة.

والبدو في بلدي يقولون إن سرقت فاسرق جملا وإن عشقت فاعشق قمرا باعتبار أن الجمل هو أهم وأثمن ممتلكات العربي، وعلى ظهره يمكن أن يتجول في الصحراء الواسعة، ولا يستطيع أحد أن يتحكم في حركته، وهو بالنسبة للعربي أفضل من كنوز العالم.

أما القمر فهو أجمل ما يمكن أن نشاهده في ليل الصحراء خاصة في سيناء حين ينعكس نوره على الرمال البيضاء فتملأ النفس السكينة وينطلق الوجدان ليتأمل وينظر ويكتشف حقائق الكون التي تحتاج إلى بصيرة كي تستجليها وتفهم معانيها.

لكنني لم أسرق في حياتي جملا أو فأرا وأعتبر السرقة عارا، ونفس الكريم الحر تأبى أن تمتد يده إلى مال حرام فقد كرهت كل أشكال الفساد في النظم الاستبدادية، التي فتحت الأبواب أمام أعوان الطغاة لينهبوا أموال الشعوب، ولأن الظلام تشتد وطأته عندما تستسلم الشعوب حكم الطواغيت فينتشر اللصوص يسرقون حتى أحلام الناس وآمالهم، ويكدسون الثروات في بنوك الدول الاستعمارية.

لذلك فإن أهم الأسس التي يجب أن نبني على أساسها مستقبلنا بعد الثورات العربية أن نعاقب هؤلاء اللصوص حتى لا يظهر لنا يوما لصوص جدد يغرون الحكام بالاستبداد لينشطوا في ظلامه وليسرقوا مستقبل وطننا فأسوأ المظالم والكوارث أن يسرق اللصوص مرة أخرى حق شعوبنا في أن تدير شؤونها وتبني مستقبلها بإرادتها.

ولقد فتشت طويلا عن قمر أعشقه فلم أجد، وتذكرت مقولة لأحد أسلافنا: إن الله يحرم إنسانا من الحب حتى لا يكون عبدا إلا لله وحده.. وهكذا أدركت أن من هام بحب امرأة، فإنه يترك نفسه طواعية لتستعبده هذه المرأة، وهي عبودية كريهة.

وفي سنوات الشباب كنت أحب شخصيات مثل عنترة بن شداد وقيس بن الملوح، لكنني أدركت أنهم أضاعوا حياتهم بلا معنى وسلموا رقابهم لنوع جديد من الرق.

لكنني رغم هذا الوعي كنت أبحث عن القمر الذي أعشقه، وعندما أضناني البحث اكتشفت أن الحرية هي أجمل الأقمار، وأن بدويا مثلي لابد أن يعشق الحرية.

لكن ما معنى الحرية؟

سافرت أبحث عن معنى الحرية في بلاد الغرب وفلسفاته، واخترت أن تكون رسالتي للدكتوراه عن حرية الإعلام، وأن أقدم الكثير من الدراسات عن مفهومها ووسائل حمايتها.

ثم أدركت أن مفهوم الغرب الحرية قاصر وناقص وزائف، فهو يعطي للإنسان الحرية ليسلبها منه الرأسماليون الذين يستخدمونه كأداة لمضاعفة الإنتاج وتحقيق الأرباح.. وهم فقط يتركون له حرية أن يفعل بجسده ما يشاء، وأن تتعرى المرأة لتغري الرجال لتزيد العار الجنسي والاستهلاكي، وتجعل الرجال والنساء عبيدا للرأسمالية المتوحشة التي تنهب ثروات الشعوب وعرقهم وحياتهم.

إنها حرية فردية لا ترتبط بالمجتمع، وهذا المفهوم الغربي أعطى لمجموعة من الأغنياء حرية السيطرة على المجتمعات واستغلالها لتحقيق أهدافهم.

لقد مجدوا الحرية التي تمارس بشروطهم وتحقق أهدافهم، فصوروا للشعوب أنها حرة وبينما كانت تخضع لمجموعة من الشركات عابرة القارات حولت الناس إلى عبيد للشهوات والمنتجات التي تقدمها لهم بأسعار مرتفعة.

هكذا أدركت بعد طول بحث وعناء أن القمر الذي عشقته طوال حياتي لم يظهر في حياة العالم إلا عندما كانت حضارة الإسلام وقيمه وأحكامه تفتح الآفاق أمام الإنسان ليعبد الله ويعمر الأرض ويتمتع بالحرية الحقيقية التي ترتبط بالإيمان.

لقد أدركت بعد طول بحث وعناء أن الإنسان يمكن أن يصبح حرا عندما يؤمن بالله وحده، ويملأ قلبه بحب الله، ويعيش حياته سيدا قويا يحمل رسالته، ويحقق وظائفه التي كلفه الله بها، وهى عبادة الله وإعمار الأرض.

لكي تكون حرا فلابد أن تعمل لتحرير وطنك من كل أشكال الاستعمار والاستبداد والطغيان، فالحر يعيش سيدا عندما يكون وطنه حرا، وله فيه كل الحقوق، ويستخدم ثروات الوطن لتحقيق مصالح الشعب.

وكما ترتبط الحرية بالإيمان فإنها أيضا ترتبط بالعدالة التي تعطي للحياة معنى وقيمة، والعدالة من أهم وظائف الأمة الإسلامية، والشريعة الإسلامية وحدها يمكن أن تحقق العدل بين الناس وتحميهم من الظلم، هكذا أيها السادة وجدت قمري الذي أعشقه الحرية المرتبطة بالإيمان والعدالة في ظل الإسلام.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"