بقلم : د. سليمان صالح الجمعة 23-12-2011 الساعة 12:00 ص

الثورات العربية وبناء نظام اقتصادي عالمي جديد

د. سليمان صالح

تعرضت شعوب العالم لعملية ظلم وإفقار نتيجة لتحالف الرأسمالية مع الطغاة الذين حكموا هذه الشعوب.

ومعظم ذلك الظلم وقع على الشعوب العربية. فطغاة العرب كانوا أكثر وحشية في مواجهة شعوبهم. وكانوا أكثر خضوعا وذلة أمام أمريكا.

لذلك سمحوا للشركات الأمريكية عابرة القارات أن تنهب ثروات بلادهم في مقابل مساندة أمريكا لهم. وعدم كشف وسائل الإعلام الأمريكية عن فسادهم وما يحصلون عليه من رشاوى وعمولات. وما يرتكبون من جرائم في شعوبهم.

وذلك التحالف بين أمريكا والنظم المستبدة شكل النظام الاقتصادي العالمي الذي قام على عملية نهب منظم لثروات الشعوب.. فالشركات عابرة القارات أصبحت فوق الدول. وأصبحت تختار حكام أمريكا ليحفظوا مصالحها وليفرضوا هيمنتها.

وقد تزايدت منذ بداية الثمانينيات عملية النهب الاستعماري الرأسمالي باستخدام الوسائل التالية:

1- استيراد المواد الخام من الدول العربية والإفريقية بأسعار رخيصة. والتقليل من قدرة هذه الدول على تصنيعها وتحويلها إلى منتجات قادرة على المنافسة. وحتى عندما تتمكن دولة من تصنيع هذه المواد فإنه يتم إغراق الأسواق بمنتجات أفضل وأرخص مما يؤدي إلى إغلاق المصانع والشركات الوطنية. وهكذا حرمت الدول الضعيفة من حقها في التصنيع. وتحقيق التقدم. والقضاء على البطالة.

2- استيراد البترول الخام من الدول العربية بأسعار رخيصة. وبيع منتجاته بعد تصنيعها بأسعار عالية جدا في أوروبا وأمريكا. واتهام الدول العربية برفع أسعار البترول مما يؤدي إلى زيادة الكراهية للعرب والمسلمين. وتقوم وسائل الإعلام الغربية بتصوير العرب بأنهم متخلفون ويسيطرون على ثروات العالم البترولية. ويتحكمون في الطاقة. مما يؤدي إلى تشكيل رأي عام معاد للعرب. ويؤيد أية إجراءات عدائية ضدهم.

3- إغراء حكام العرب بتخزين أموالهم في البنوك الأوروبية والأمريكية. والحصول على نسبة فائدة منخفضة لا توازي نسبة التضخم والتغير في أسعار العملات. وهذه الأموال ضاع منها ثلاثة تريليونات دولار في بداية الأزمة الاقتصادية العالمية. وهي أموال كان يمكن أن تستخدم في تحقيق نهضة اقتصادية شاملة في الوطن العربي.

4- أحاط طغاة العرب أنفسهم بشبكات من الفاسدين الذين كونوا ثروات طائلة عن طريق الاحتكار والسمسرة والرشاوى والعمولات. وكدسوها في البنوك الأمريكية والأوروبية أو اشتروا بها القصور. واستخدموها في الحصول على المتع والإنفاق السفيه الذي شكل صورة نمطية سلبية للعرب.

وقد ضاعت على مصر على سبيل المثال أكثر من مليار دولار كانت تكفي لحل الكثير من المشكلات الاقتصادية. أما ليبيا فقد أنفق القذافي وأولاده المليارات على متعهم وسهراتهم الماجنة التي تثير سخرية الأوروبيين.

5- منحت أمريكا والدول الأوروبية الكثير من الديون للدول العربية بفائدة مرتفعة. جعلت معظم ميزانيات هذه الدول تضيع في خدمة الدين. مع أن معظم تلك الديون استعادتها الدول المانحة مرة أخرى في شكل رواتب للخبراء. أو أرغمت الدول على استخدامها في مجالات لا تشكل أولويات مجتمعية بل تتناقض مع حقوق الشعوب مثل تنظيم الأسرة.

كما تم إنفاق الكثير من هذه الديون على أجهزة الأمن التي قهرت الشعوب. لذلك فهي ديون كريهة استخدمها المستبدون في انتهاك حقوق الإنسان. ولم تستفد منها الشعوب في بناء أية مشروعات تنموية.

6- في ضوء ذلك تزايدت مشكلات البطالة والفقر والتخلف وانتشرت الأمراض وارتفعت الأسعار وضاقت الدنيا بشعوب تمتلك في أراضيها ثروات تكفي لتحقيق الغنى لكل مواطن.

لذلك فإن أهم إنجازات الثورات العربية أنها كسرت التحالف بين الطغاة العرب من ناحية وأمريكا وشركاتها الرأسمالية عابرة القارات من جهة أخرى وفتحت الطريق أمام الشعوب للتحرر من ظلم الرأسمالية وجشعها واستثمار الثروات بما يحقق مصالح الشعوب.

والثورات العربية تمهد الطريق لبناء نظام اقتصادي عالمي جديد. والإسلام يمكن أن يقوم بدور مهم في تقديم الأسس الفكرية والأخلاقية لهذا النظام الذي يحقق العدالة ويزيد قدرة الشعوب العربية على تحقيق التقدم والتعاون مع الدول الإفريقية والآسيوية للتحرر من الاستعمار الاقتصادي.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"