بقلم : د. سليمان صالح الأحد 18-11-2012 الساعة 12:00 ص

ثوراتنا العربية وسقوط الرأسمالية

د. سليمان صالح

جاءت ثوراتنا العربية في مرحلة تاريخية مهمة لتساهم في تغيير العالم الذي يمر بأزمة اقتصادية تنذر بانهيار النظام الاقتصادي العالمي الذي تم تشكيله طبقاً للفلسفة الرأسمالية.

لذلك فإن الدولة التي تريد أن يكون لها مكان في العالم الجديد لابد أن تستعد للتغيير، وتدرس الأحداث بعمق، وتدرك أن السياسات التي شكلت الأزمة الاقتصادية العالمية لا يمكن أن تحلها، وأن العالم كله يحتاج إلى سياسات ونظريات وأفكار جديدة.

ونقطة البداية هي أن ندرس كيفية تطور الرأسمالية وصعودها وأسباب تفوقها وسقوطها، فهذه الفلسفة كانت من أهم عوامل ازدهار أمريكا وأوروبا والحضارة الغربية كلها، لكن الرأسمالية تبدأ بمشروعات صغيرة ثم تتجه إلى الإنتاج الكبير الذي يحتاج بالضرورة إلى أسواق عالمية لتصريف هذا الإنتاج، كما يحتاج إلى مواد خام رخيصة وأيدي عاملة رخيصة ليحقق الرأسماليون أرباحاً كبيرة تتيح لهم التحكم في اقتصاد المجتمع وسياسته وثقافته وحياته.

لذلك ارتبط صعود الرأسمالية بالاستعمار، حيث دفع الرأسماليون حكوماتهم إلى السيطرة على العالم وبناء إمبراطوريات تسيطر على مساحات شاسعة من الأرض، والكثير من الشعوب.

لذلك تشكلت أهم إمبراطوريتين في القرن التاسع عشر وهما الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغرب عنها الشمس، والإمبراطورية الفرنسية، ولبناء هاتين الإمبراطوريتين تم إبادة ملايين البشر، ونهب ثروات الشعوب خاصة في إفريقيا وآسيا، وتعرضت الأمة العربية بشكل خاص للكثير من ألوان الظلم والنهب والاستغلال والقتل والتدمير.

لكن الأمة العربية كافحت ضد الاستعمار وحققت انتصارات في معركة الاستقلال، وكان كفاحها من أهم أسباب سقوط الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية حيث شكل خروج الجيش الإنجليزي من مصر نهاية بريطانيا كإمبراطورية، وشكل انتصار الثورة الجزائرية نهاية الإمبراطورية الفرنسية.

لكن لماذا لم تنهار الرأسمالية؟ لقد ظهرت قوة رأسمالية استعمارية جديدة أكثر قوة هي الولايات المتحدة الأمريكية التي حققت انتصاراً حاسماً في الحرب العالمية الثانية أتاح لها أن تفرض إرادتها وسياستها على العالم.

وكانت الشركات الأمريكية قد تعملقت وتطورت لتصبح أقوى من الدول اقتصاديا وسياسياً، وتعاملت بقدر من الذكاء جعلها تفضل استخدام القوة الناعمة في تحقيق أهدافها ونهب ثورات الشعوب والسيطرة على اقتصاد الدول الفقيرة في آسيا وإفريقيا خاصة العرب الذين ظهر البترول في أرضهم ليشكل اقتصاد عالم جديد.

لكن أمريكا أصابها الغرور بعد انهيار الشيوعية في بداية التسعينيات، واعتبرت أن سيطرة الرأسمالية على العالم هي نهاية التاريخ، ولذلك اتجهت إلى استخدام القوة الخشنة بكل مفرداتها التي تتمثل في الجيوش والأسلحة الحديثة ذات القوة التدميرية العالمية والتي يمكن أن تبيد الملايين من البشر. وتصاعد استخدام أمريكا للقوة العسكرية الخشنة منذ حرب الخليج الثانية حتى العدوان على أفغانستان والعراق.

في العقد الأول من القرن العشرين كان يبدو أن هذا هو القرن الأمريكي، وأنه لا مجال أمام الشعوب سوى الخضوع للسيطرة الأمريكية سياسياً واقتصادياً.

وقامت أمريكا بدعم النظم الديكتاتورية العربية وحمايتها لأن هذه النظم كانت تابعة لأمريكا ونفذت كل أوامرها في خصخصة اقتصادها ومنع إمكانات تحقيق الاكتفاء الذاتي خاصة في القمح لتظل الشعوب خاضعة للإرادة الأمريكية.

لكن كفاح الشعبين الأفغاني والعراقي شكل مشكلة للاقتصاد الأمريكي الذي تحمل تكاليف حرب استنزاف طويلة، وزادت هذه التكاليف عن تريليون دولار في الوقت الذي زادت فيه أعباء الضرائب على المواطنين الأمريكيين، كما زاد اقتراضهم من البنوك بفوائد مرتفعة لتمويل شراء المساكن والإنفاق على الحياة المرفهة حتى عجز الملايين عن السداد.

هكذا بدأ الاقتصاد الرأسمالي يتجه نحو الكارثة، ووجدت عدد من الدول الأوروبية مثل اليونان وإيطاليا والبرتغال أن مصيرها الإفلاس.

في الوقت نفسه قامت الثورات العربية لتشكل نهاية لعملية النهب الاستعماري للشعوب، وبداية لمرحلة جديدة تتطلع فيها الشعوب لاستقلال شامل عن كل الاستعمار القديم والحديث، وهذا الاستقلال لا يتحقق إلا بنظام اقتصادي جديد يقوم على الحرية والعدالة والتنمية والاكتفاء الذاتي واحترام كرامة الإنسان والاستغلال الأمثل للموارد المادية والبشرية، وتشجيع المستثمرين الصغار والتعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول العربية والإفريقية والآسيوية.

والثورات العربية لم تكن فقط ضد الاستبداد ولكنها في الوقت نفسه ضد الاستعمار والاستغلال والتبعية والثقافة الرأسمالية الغربية، وهذا سيشكل أهم العوامل التي ستؤدي إلى سقوط الرأسمالية وبناء نظام اقتصادي جديد، فالرأسمالية تتناقض  مع حق الشعوب في الحرية والعدالة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"