بقلم : د. سليمان صالح الجمعة 04-11-2011 الساعة 12:00 ص

إنها ثورة عالمية ضد ظلم الرأسمالية!

د. سليمان صالح

مشهد المتظاهرين في المدن الأمريكية الذين رفعوا شعار احتلوا وول ستريت يحتاج إلى قراءة متعمقة. ذلك أنه يحمل الكثير من الدلالات والمعاني.

مع ذلك فإن وسائل الإعلام في العالم كله لم تقدم حتى الآن هذه القراءة المتعمقة، ولم تحلل الحدث، بل وتجاهلت هذه الوسائل المظاهرات طوال الأيام الخمسة الأولى، ثم بدأت تقدم تغطية خبرية سطحية من دون تحليل أو تفسير.

وهذا دليل على أن الشركات عابرة القارات قد سيطرت على وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية وحولتها إلى وسيلة للدفاع عن الرأسمالية، ولذلك فإنها تجاهلت كل المظالم التي تتعرض لها الشعوب.

وهذه المظاهرات شكلت صدمة للرأسماليين الذين اعتقدوا بعد سقوط الشيوعية أنهم قد حققوا انتصارهم الحاسم، وأن الرأسمالية تشكل نهاية التاريخ.

فلقد عملت أمريكا طوال العقدين الماضيين على فرض الرأسمالية على شعوب العالم، فاضطرت الدول أن تفتح أسواقها، وتخصخص شركاتها العامة، وأن تقترض بفوائد عالية لكي توفق أوضاعها مع متطلبات الرأسمالية المتوحشة.

أما الديمقراطية فقد ضاق نطاقها فأصبحت الشركات عابرة القارات هي التي تختار الحكام والنواب وتوفر لهم كل إمكانات النجاح في انتخابات لا تشارك فيها إلا أعداد قليلة لا تزيد عن %30.

الغريب في الأمر أن بعض وسائل الإعلام الأمريكية اتهمت المتظاهرين بأن لهم أهدافاً خفيفة، وهي تهمة لا تختلف عن تلك التي روجتها وسائل الإعلام المصرية عن الثوار في ميدان التحرير فاتهمتهم بأنهم ينفذون أجندات خارجية، وهي التهمة التي قام الثوار المصريون بصياغة العديد من النكت التي تسخر منها.

لكن يبدو أن ذلك لم يكن وجه التشابه الوحيد بين تعامل السلطات الديكتاتورية العربية مع المتظاهرين في الثورات العربية، وتعامل السلطة الأمريكية مع حركة احتلوا وول ستريت. فالسلطة الأمريكية تعاملت بقدر من العنف مع المتظاهرين لا يتفق مع الديمقراطية الأمريكية.

وذلك يفسر عدم ثقة المتظاهرين في الديمقراطية ومطالبتهم بإصلاح ديمقراطي حقيقي يتناسب مع طموحات الناس للحرية والعدالة.

في ضوء ذلك يمكن أن نفهم ما قاله أحد المتظاهرين: إنه سيبقى هنا حتى لا يكون هناك من يموت جوعاً في هذا العالم.

وكثير هم الذين أفقرتهم الرأسمالية في عالمنا فعانوا مرارة الجوع والحرمان في كل دول العالم بعد أن نهبت الشركات عابرة القارات ثرواتهم، وبعد أن تحكمت أمريكا في قرارات حكوماتهم العميلة الخائفة فباعت كنوزها المعدنية وبترولها للشركات الأمريكية بثمن بخس.

هذا المتظاهر أعطى لحركة احتلوا وول ستريت بعدها الإنساني، وأنها حركة ضد ظلم الرأسمالية وجشعها واستغلالها، وأن الحركة سوف تستمر لتتحول إلى ثورة عالمية.

هذا المتظاهر دعا كل الشعوب من كل الأجناس والأديان وكل شخص في هذا العالم إلى الثورة ضد الرأسمالية، وأضاف أن كل الشعوب يجب أن تتعاون لتحقيق العدل الذي لا يمكن أن يتحقق في ظل الرأسمالية.

لذلك فإن الثورة ضد الرأسمالية هي هدف لكل الإنسانية التي يجب أن تدافع عن مستقبلها الذي سيتم تدميره إذا استمرت الرأسمالية في نهب ثروات الشعوب ونشر الظلم والقهر في هذا العالم.

ومن المؤكد أن الثورة العالمية ضد الرأسمالية المتوحشة المستغلة ترتبط بثورات الشعوب في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ضد الطغيان والاستبداد، فهذه النظم المستبدة سهلت للرأسماليين نهب ثروات الشعوب، وحولت الناس إلى فقراء بينما تحوي أرضهم من الكنوز ما يمكن أن يجعل الناس يعيشون حياة كريمة.

لذلك فإن ثوراتنا العربية قد أضاءت لشعوب العالم طريق الثورة ضد ظلم الرأسمالية وجشعها واستغلالها، كما فتحت الطريق إلى الحرية والعدالة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"