بقلم : عبدالعزيز قاسم الثلاثاء 03-12-2013 الساعة 05:46 م

أيها العسكر..لا تدفعوهم للتطرف

عبدالعزيز قاسم

لست بالمتفائل لما يفعله عسكر مصر هذه الأيام من تضييق على جماعة "الإخوان المسلمين" وقياداتها، وأنا أستحضر أمامي بعض الذين قابلت من أفراد "الجماعة الإسلامية" المصريين، في مدينة (بيشاور) الباكستانية، صيف عام 1986 م. 

الفكر التكفيري الذي اعتنقه لاحقا أسامة بن لادن في (أفغانستان)، كان مصدره أولئكم المصريين الذين خرجوا من معتقلات التعذيب والسجون السوداء، فقد كانوا يتحدثون عن فظاظة العسكر ووحشيتهم، وسردوا بكثير من الألم ما فُعل بهم بتلك الأقبية. وكان لهؤلاء التكفيريين المصريين حضور قوي إذاك في ساحة الجهاد بتلك الصقاع، ووجدوا من يعتنق معهم هذا الفكر، خصوصا من الشباب الجزائريين، بيد أن الشيخ عبدالله عزام -يرحمه الله- كان صمام الأمان ضد هذا الفكر، وهو العرّاب الفكري لأسامة بن لادن، ووقف –حتى استشهاده- أمام اعتناق أسامة هذا الفكر التكفيري، الذي يقول بكفر كل القيادات والزعامات في الدول العربية، وبعضهم تطرف، في تكفير المجتمعات العربية، لأنها لم تقم بالثورة على الحكام، فهم موالون للكافر، وبالتالي هم كفرة.

إن أكبر خطأ سيرتكبه عسكر مصر اليوم، هو التشديد على هذه الجماعة، وملاحقة قياداتها، ودفع أفرادها إلى الارتماء في حضن التيارات الإسلامية المتطرفة، التي شمتت بما حصل في انقلابهم، وهم الذين يتبنون في أدبياتهم، حرمة الديمقراطية أصلا، وأن القوة والجهاد هما اللتان تسمحان بتطبيق الشريعة الإسلامية.

فقد سارعت "حركة الشباب" الصومالية، وهي إحدى الجماعات التابعة لتنظيم (القاعدة)، في تعليق نشر على (تويتر) بعد أن أطاح العسكر بمرسي: "متى ستستيقظ جماعة الإخوان المسلمين من سباتها العميق وتدرك عدم جدوى جهودهم في إرساء التغيير بالديمقراطية؟" وقالت الحركة في تغريدة أخرى: "التغيير يأتي عن طريق الرصاصة وحدها وليس بالاقتراع".

هناك حركة "طالبان" بحسب المتحدث باسمها محمد يوسف الذي كتب: "لقد أصبح واضحا أن ما يسمى بانتخابات ومطالب الشعب والعدالة والحرية والأمن والسلام، هي مجرد هتافات وشعارات جوفاء، تستخدم من قبل الغرب والعلمانيين لخداع الناس".

الزميل جمال عرفة يرصد لنا في مقالة أخيرة له، تقارير الصحف الغربية حول هذا الموضوع، بأن الضغط اليوم على أفراد جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر، يدفع بهم نحو التطرف، فصحيفة (واشنطن بوست) بعددها 9 يوليو 2013م، أكدت على أن انقلاب الجيش، والحملة الأمنية والإعلامية المتصاعدة على مؤيدي الإخوان وكافة الأحزاب الإسلامية الأخرى، بالاعتقالات وتكميم الأفواه والحريات وارتكاب المذابح ضد أنصارهم -كما حدث مؤخرا في مجزرة الساجدين بالحرس الجمهوري– "بات يُستخدم من قبل إسلاميين متطرفين كدليل على أن العنف، وليس الديمقراطية، هي الحل الوحيد لمشاكل المنطقة".

ما يحدث في مصر، سينعكس بشكل عاجل وقوي على العالم العربي أيضا، ولا يتصورن أحد في الخليج أننا بمنأى عما يحدث في أرض الكنانة، فأي حدث سينعكس علينا، سلبا أم إيجابا، ومن هنا، أدعو الزعامات السياسية العربية، والقيادات الدينية والمجتمعية الذين يمثلون ثقلا، ولهم صوتهم عند عسكر مصر، بالتدخل العاجل، والدعوة لحوار وطني عام، وطرح مبادرة صلح، تتوافق عليها الأطراف المصرية جميعا، مع التأكيد على نصح العسكر بعدم الإيغال في البطش والتنكيل بقيادات الجماعة، لخير مصر بالدرجة الأولى، فضلا على أن الشرعية كانت لهم، وهؤلاء قادرون على مليونيات متعاقبة –بما رأينا- وستتوقف الحياة المدنية والاقتصادية في مصر، ولن يكسب أحد.

السيناريو الأسوأ هو بما قلناه من تفشي العنف، ولجوء أفراد الجماعة لاعتناق الفكر المتطرف، وهو موجود أصلا في مصر، فالجماعات الجهادية في (سيناء) جاهزة، وهنا "ستيفن كوك" من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي يحذر من: "عودة الجماعات الإسلامية التي خاضت صراعا مسلحا مع النظام في مصر في 2003 م، إلى العنف، بعدما مالوا إلى السلمية، وأصبحوا أكثر ديمقراطية من غيرهم، وشكلوا أحزابا وانخرطوا في التغيير السلمي الديمقراطي، ثم وجدوا التجربة كلها سرقت منهم. وما يزيد الأمر خطرا هذه المرة هو أن مصر تعج بالأسلحة التي تم تهريبها من ليبيا عبر الحدود."

برأيي الخاص أن الانتخابات لو أجريت اليوم، وسمح لجماعة "الإخوان المسلمين" المشاركة فيها، فلن تستطيع تكرار فوزها، فالخبز بالدرجة الأولى هو من سيشكل ولاء المواطن البسيط، وهو من يحدد لمن يعطي صوته، فالعاطفة الدينية لا تصمد طويلا أمام الجوع، وقد رأى المصريون بأمّ أعينهم كيف تكالب الكلّ على الرئيس محمد مرسي ووقفوا ضده، ولم يتقدم لدعم حكومته سوى القلة، فيما إيران انتهزت فرصة ضعفه وحاجته، وفرضت عليه أكلافا باهظة للدعم.

فضلا على أن نسبة ال2% التي فاز فيها مرسي على خصمه، ستتلاشى مباشرة مع رؤية المواطنين المصريين لفترة حكمه القصيرة، وما صاحبها من أخطاء، فكما أوصله الناخب لسدة الرئاسة، فهو من سيسقطه، ولكن بطريقة شرعية، لا هذه الطريقة المستبدة التي رأيناها من أصحاب البساطير، وما زلنا نراها اليوم.

يا أيها العسكر، لا تدفعوا بمصر نحو هاوية الفتنة الداخلية، فالجميع خاسر في هذا الطريق.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"