بقلم : فرج بو العشة الجمعة 09-12-2011 الساعة 12:00 ص

آخر طاغية كاليغولي

فرج بو العشة

كان الكولونيل القذافي القحصي آخر طاغية كاليغولي متوفر في الألفية الثالثة في نسخة رديئة عن روح الطاغية الروماني كاليغولا "الأصيل". كان كاليغولا يعتبر نفسه هو روما وروما هو. وما أدراك ما روما وقتها عاصمة إمبراطورية العالم الوحيدة. بينما كان العقيد البدوبتروثورجي يعتقد في نفسه، المسكونة بنفاج فقاعي، أنه هو العالم والعالم هو، بينما يحكم بلداً صغيراً تعداده خمسة ملايين. ولكن مع بحيرة نفط فائضه. يناسخ "ملك الملوك" الأمبراطور كاليغولا من حيث شخصية الطاغية السايكوباتي مع الاختلاف في طبيعة التصرفات بينهما وطبيعة الظروف التاريخية. كل حسب عصره. نجد كاليغولا يأمر بحرمان أشراف روما وأثريائها من حقهم في توريث أملاكهم ويخصصها لخزانة روما التي هي خزانته. كذلك أمر القذافي بتأميم التجارة الحرة واحتكر النشاط الاقتصادي لصالح الدولة. التي هي دولته. كان كاليغولا يأمر، عندما يعن له، بقتل بعض الأثرياء وفق تاشيرته على اسمائهم في القائمة المقدمة له كي ينقل إرثهم سريعا إلى خزنته استباقا لعمل القضاء والقدر (في تصوره). ويفسر فعله الإجرامي الفاضح هذا قائلا: ".. أما أنا فاسرق بصراحة ". لم يكن القذافي في حاجة لإتابع طريقة كاليغولا في سلب ثروات الأثرياء فقد توسل بآيديولوجية التأميم الاشتراكية مصادرة ثروات الأفراد والبلاد ووضعها تحت تصرفه وبالطريقة التي يشاؤها.

كان كاليغولا يقول:" غريب أني أن لم أقتل أشعر بأني وحيدا" ويربط ذلك بقوله:" لا أرتاح إلا بين الموتي".. لم يكن "الأخ العقيد" على نحو سايكوباتية كاليغولا كقاتل متسلسل الجرائم يفسر فهم الموت بإماتة الآخرين. القتل عند العقيد فعل سلطوي أمني لإزالة اعدائه المفترضين حتى من منظور الإشتباه. لكنهما يشتركان معا في فكرة الطاغية المنفصل عن الواقع بحسبانه كائنا فوق تاريخي مع مراعاة الفروق في تفاصيل الممارسة الطغيانية.

كاليغولا وصل به وهم القدرة الطغانية إلى الاعتقاد الجازم أن بمقدوره أن يجعل الشيء يكون ما رغب في ذلك. ومن ذلك رغب بإحداث مجاعة في روما فأمر بإغلاق مخازن الغلال كافة. وذلك كي يقوم بعد ذلك بإنقاذ روما من المجاعة ليسجل نفسه في التاريخ بحسبانه منقذ روما من المجاعة المهلكة. بل أنه قال:|" سأحل انا محل الطاعون".

القذافي لم يكن طاغية كلاسيكي ككاليغولا أو الحاكم بأمر الله من حيث معطيات حكم امبرطوريات كبرى. لكنه من نفس الطينة السايكوباتية مع مراعاة الفروق التاريخية. امبراطورية القذافي بترودولارية. المليارات كانت أداة قوته الضاربة لتحقيق رغباته الشخصانية في يكون الشيء فيكون. من ذلك رغبته في أن يخلق معجزة ثانية من خلال إنشاء ما سماه النهر الصناعي العظيم. ولم يكن بغير دلالة قوله في إفتتاح المرحلة الأولى أنه قال بفعل الإرادة الثورية للمياه الجوفية كن نهرا فكانت.

تطورت الحالة السايكوباتية الطغيانية بكاليغولا إلى حد أنه أقتحم قاعة مجلس الشيوخ ممتطيا صهوة جواده "تانتوس". وعندما تجرأ أحد أعضاء المجلس. قال كاليجولا متهكما في استخفاف:" انا لا ادري لما ابدي العضو المحترم ملاحظة علي دخول جوادي المحترم رغم أنه أكثر أهمية من العضو المحترم فيكفي أنه يحملني "!.. فهتف الشيوخ له ولجواده الذي أصدر قراراً بتعينه عضوا في مجلس الشيوخ. وأقام على شرفه حفلة خاصة حضرها عليه القوم الذين فوجئوا بأن طعام المأدبة لم يكن سوى التبن والشعير.

للعصر الحديث طبائعه الخاصة في تعبير الطغاة السايكوباتيين عن ممارساتهم. الطاغية القذافي لم يأله ناقته. لكنه كان، دون أن يفصح في صراحة كاليغولا، متوهما بقوة أنه "نبيا" يحمل كتابا "مقدسا" أسماه "الكتاب الأخضر" فيه كما يقول الحل الشامل لكافة مشاكل البشرية. وقد جرى "تقديس" شخصه بحسبانه "رسول الصحراء” و"القائد الأممي" و"المفكر الأوحد"... و"ملك الملوك".

أما بخصوص مقاربة النهايتين فإنهما متطابقتان من حيث بشاعة الفعل. بمعنى نهاية بشعة تليق بطاغية بشع. كانت نهاية كاليغولا في حفلة جواده المبجل عندما ثار أحد الحضور صارخا في وجوه الحضور: الي متي يا اشراف روما نظل خاضعين لجبروت كاليجولا. وقذف حذاءه في وجه حصان كاليجولا، صائحاً: " يا أشراف روما افعلوا مثلي استردوا شرفكم المهان". فهاجمه الجميع حتى أعوانه وحراسه فقتلوه شر قتلة وقتلوا حصانه "المقدس".

نهاية القذافي ايضا كانت بشعة. فالقذافي الذي وصف الذين تمردوا عليه بالجرذان قبض عليه أولئك "الجرذان" وهو يحاول الهرب كجرذ من بالوعة لتصريف المياه تحت طريق اسفلتية عند مخارج سرت مدينته الأثيرة.

والحال أن الطاغيتين اللذين منحا من طبيعة مركبات الشخصية السايكوباتية في ممارستهما الطغيانية انتهيا مقتولين بطريقة بشعة كعدوين للدولة والمجتمع.

farag-asha@hotmail.com

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"