بقلم : فرج بو العشة الجمعة 02-12-2011 الساعة 12:00 ص

كنتُ في ليبيا

فرج بو العشة

في أواخر العام 1994 خرجت من ليبيا خروجاً نهائيا على النظام. وقد سلكت الطريق البري عبر تونس بسبب الحظر الجوي على ليبيا وقتها. وبعد سبع عشرة سنة عدت إلى موطني غداة تحرير طرابلس ومن طريق البر وعبر تونس بسبب إغلاق مطار طرابلس نتيجة الأحداث. ولأني أردت العودة مسقط رأسي في الشرق من طريق العاصمة المحررة. وبعد أسابيع من زيارة صاخبة بالفرح والمسرات واللقاءات والانشغالات المزدحمة عدت إلى مقري في منفاي الجرماني. وهذه المرة طيرانا على الخطوط التركية صادف أنها أول رحلة تقلع من مطار طرابلس الدولي بعد سقوط نظام الطاغية البغيض الذي انتهى قتيلا مدفونا في مكان مجهول بالصحراء الليبية الواسعة. وصادف وأنا واقف في طابور الانتظار للحصول على تذكرة الصعود وجود مراسلة القناة الألمانية زي دي إف تجري تحقيقا تلفزيونيا عن عودة العمل إلى المطار. سألتني بالعربية (كونها عربية الأصل): إلى أين مسافر؟ قلت: إلى فرانكفورت عن طريق استنابول. وكأنها تفاجأت وهي تسأل: ما طبيعة زيارتك لألمانيا. فازدادت دهشتها عندما أجبتها بالألمانية بأني أعيش هناك منذ 17 سنة وعدت فقط إلى ليبيا بعد سقوط نظام الطاغية. ويبدو أنها وجدت في ذلك فرصة مناسبة لموضوع تحقيقها عن إقلاع أول طائرة من مطار طرابلس الدولي حيث ضمن ركابها لاجئ سياسي ليبي عائد إلى منفاه الجرماني بعد زيارة الوطن المحرر. سألتني ما مشاعري وكيف أرى دلالة هذا التحول من حيث بداية حركة الطيران من مطار العاصمة. أجبتها بما معناه أنها دلالة على أن تواصل ليبيا بالعالم الخارجي بدأ الآن من بعودة العمل إلى المطار الدولي المدني بدلا من مطار معيتيقة العسكري. والدلالة الأعمق أنها عودة آمنة وسريعة بشكل استثنائي. لأن الثورة الليبية ثورة جذرية سقط فيه النظام ودولته بالكامل وصار الفراغ هو سيد الموقف وكان من المتوقع في حالة ثورية كهذه أن تمر البلاد بفترة فوضى واضطراب أمني قد يصل إلى احتراب أهلي. لكن شيئا من هذا لم يحدث. وأذكر هنا ما كتبه دانيال سيروير الصحفي المعروف في وكالة رويترز للأنباء إذ عبّر عن ذهوله من سرعة استتاب الأمان وعودة الحياة الطبيعية إلى ليبيا بعد أكثر من ثمانية أشهر من حرب دموية متواصلة بين الثوار وكتائب القذافي. قائلاً إن ليبيا شهدت أسرع تعاف ما بعد الحرب شاهدته في حياتي. إنه أسرع من البوسنة وكوسوفو والعراق أو أفغانستان. متسائلا: لماذا هذا الانتعاش السريع في بلد شهد أربعة عقود من الديكتاتورية؟ لماذا تبدو ليبيا على الطريق الصحيح في حين يبدو أن مصر قد انحرفت عن مسارها؟ وقد أعاد ذلك إلى ثلاث مزايا مهمة مهدت لعودة الحياة بسرعة إلى ليبيا وهي: القيادة الجيدة للمجلس الانتقالي وحكومته والأهداف الواضحة على الصعيدين الوطني والمحلي والتخطيط الدقيق والموارد الكافية. لكنه غفل عن ميزة رابعة جوهرية وهي طبيعة تجانس المجتمع الليبي اجتماعيا ودينيا مما يشكل حصانة قوية ضد الاحتراب الأهلي. وها أنا بعد مرور أسابيع قليلة على تحرير طرابلس أخرج من مطارها الدولي المدني في أمن لا مثيل له.... لكن ما إن أقلعت الطائرة التركية واستقرت آمنة في الأجواء حتى بادرني السؤال الذي تشكل عبر قرابة خمسة أسابيع قضيتها متجولا في مدن ليبيا من رأس جدير إلى درنة... سؤال: هل تركت ليبيا آمنة حقا والسلاح يزيد بكثير عن عدد السكان؟! نواصل في مقال قادم..

faragasha@yahoo.com

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"