بقلم : فرج بو العشة الجمعة 15-07-2011 الساعة 12:00 ص

التدخل الغربي ومستقبل ليبيا

فرج بو العشة

الشعب الليبي يقود حركة التحرر الوطني لنيل الاستقلال الثاني

ما الذي استدعى المجتمع الدولي للتدخل العسكري (الجوي) في ليبيا والذي آلت قيادته إلى حلف الناتو؟!

بحسب قرار مجلس الأمن 1973 المشفوع بطلب جامعة الدول العربية جاء التدخل الدولي لحماية المدنيين الليبيين من مذابح كتائب القذافي. أما بحسب القوميين العرب المتقاطعين مع بروباغندا إعلام القذافي فإن الجواب الجاهز: لأن ليبيا دولة نفطية. وأن الغرب ما كان ليتدخل فيها لو لم يكن بها نفط. وأن حاجته للتدخل باسم حماية المدنيين هو في الحقيقة استعمار ليبيا والسيطرة على نفطها. ورغم ما قد يظهر من وجاهة على ظاهر قول كهذا إلا أنه في التحليل الدقيق يبين حقيقة الأمر. لأن الشعب الليبي على وعي وطني أصيل وفهم جلي لمقاصد الضرورات التي تبيح المحظورات. فبفضل التدخل الدولي الجوي، الفرنسي خصوصا، وفي الوقت المناسب، وبضغط قطري، تم إنقاذ مدينة بنغازي التي هاجمها العقيد هولاكو بكتائبه الجرارة. فمن كان لينقذ أهلها من جنون القذافي الدموي غير التدخل الدولي؟! هل كان سينقذهم مقالات عبدالباري عطوان العنترية أو تفذلكات عزمي بشارة في تحليل تقنع القوى الاستعمارية بقناع "الامبريالية الإنسانية".

لكن هل يعني ذلك أن تدخل الغرب العسكري (الجوي) في ليبيا مرده دافع إنساني بحت.؟! بالقطع لا. والليبيون يعرفون ذلك. ولاسيَّما ثوارهم. وهم ليسوا في حاجة لمزايدات عبدالباري عطوان أو تفلسف عزمي بشارة، على سبيل المثال، كي يعوا مقاصد القوى الغربية. فهم أحفاد عمر المختار بالمعنى التاريخي الدقيق للكلمة. أي أنهم لن يسمحوا بأي حال من الأحوال أن ينزل حلف الناتو من السماء على أرضهم ليشكل مستقبلهم السياسي على ما تهوى مصالحه. وحدهم فقط القطريون والإماراتيون، خصوصاً القطريين، سوف يرحب بهم الليبيون بحب غامر وامتنان لجميل لا يرد أبد الدهر.

وليطمئن الخاشون من نزول الناتو من السماء للهيمنة على مستقبل ليبيا بعد الخلاص من القذافي. فأحفاد المختار لن يرضوا بليبياهم إلا وهي حرة كاملة السيادة بإرادتهم. ولدولة ثورة أحفاد المختار أن تأخذ في الاعتبار أولية مصالح الدول التي سارعت إلى نجدتها. وفي طليعتها قطر الأحب إلى القلوب الليبيين بعد ليبيا. ثم تأتي الإمارات. فتونس (شعباً). فمصر (شعباً). وتلك نجدة الأخ لأخيه. أما الدول الغربية، أمريكا فرنسا بريطانيا تحديداً، فقد تدخلت لأسباب متعددة: مسؤوليتها الدولية... ضغط رأيها العام.. ومصالحها بطبيعة الحال... الليبيون أذكياء بما يكفي ليدركوا أن ساركوزي وكاميرون وأوباما ليسوا باعة آيس كريم مجاني. لكن ما قد لا يعرفه العرب عن ليبيا أن استقلالها العام 1951 كان أول اختبار دولي في ملف تصفية الاستعمار.

فلسنوات، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تم تداول قضية استقلال ليبيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي مجلس الأمن. وكانت القوى الوطنية ثابتة على موقفها في رفض الوصاية والانتداب وكل أشكال الاستعمار المقنّع. والمطالبة بالاستقلال التام، على أساس وحدة ليبيا بأقاليمها الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان). ومن جهة أخرى كانت القوى الأجنبية، أمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، في ذروة شراهتها لغنائم الحرب العالمية الثانية. كانت القوى الغربية العظمى (الأمريكية والبريطانية وإلى حد ما الفرنسية) في جهة والاتحاد السوفيتي في جهة أخرى، يتصارعان على مكسب النفوذ في دولة تخلى عنها المستعمر الإيطالي مهزوما. ولأن السوفييت أدركوا ألا مكسب لهم فيها انضموا بقوة إلى حق شعبها في تقرير مصيره رافضين أي صيغة للوصاية عليها.. وقبل البريطانيون والأمريكيون بوجود عسكري في قواعد عسكرية على الأرض الليبية لفترة محددة. وبالنتيجة نالت ليبيا استقلالها وسط ألاعيب لعبة الأمم... وها يثور أحفاد عمر المختار، بعد واحد وأربعين سنة وبضعة أشهر، على طغيان القذافي (موسوليني المحلي) وكتائبه الإجرامية، بما يعيد إنتاج تجربة استقلال ليبيا الأول من موسوليني الإيطالي. ورغم أن ليبيا كانت خارجة في ذلك الوقت من زمن مستعمر متخلف كريه ترك وراءه أقل من خمسة في المائة على مقاعد الدراسة وخمسة عشرة في المائة عميان وخراب رهيب وإفلاس تام، تمسكت نخبته الوطنية بحق شعبها في تقرير مصيره. وهو ما تحقق لها رغم وجود القواعد الأجنبية. الآن، وبعد 60 عاما على استقلال ليبيا، الذي سبقته ملحمة جهادية مسلحة ضد الاحتلال الإيطالي وأعقبتها، بعد الحرب العالمية الثانية، معركة سياسية خاضتها القوى الوطنية في رفض الوصاية الدولية ونيل حق تقرير المصير، يعيد الليبيون إنتاج تجربتهم التاريخية تلك في تشابه يقارب التطابق. فهم من جهة يخوضون ملحمة تحرر مسلح ضد كتائب القذافي الفاشيستي الذي لا يختلف في الجوهر في شيء عن المستعمر الإيطالي الفاشيستي بل إن موسوليني "الليبي" تفوق في جرائمه على موسوليني الطلياني. ومن جهة أخرى قد يواجه الثوار الليبيون، بعد الخلاص المؤكد من نظام القذافي عاجلا وليس آجلاً، كما واجه رجالات حركة الاستقلال الوصاية الدولية، محاولات القوى الكبرى، التي تقود التدخل الدولي من السماء، كي تنزل بالتدخل السياسي على الأرض للمشاركة في تشكيل مستقبل ليبيا السياسي بما يخدم أطماع هذه القوى في الهيمنة الإستراتيجية. لكن الواقع ووقائعه اليوم مفارق، في المعطيات والظروف والوعي والممارسة لأحوال الأمس. اليوم يقود حركة التحرر الوطني لنيل الاستقلال الثاني شعب محمول على وعي سياسي وطني مدرك برؤية تاريخية ومستقبلية لمعنى تمام الاستقلال والسيادة. بحيث سيظل دور الناتو محصورا في تدخلها الدولي المقيد بقرار مجلس الأمن 1973. ولن يقبل الثوار بأقل من الخلاص من القذافي ونظامه بقضه وقضيضه مع الشكر لقوى التدخل الدولي والأخذ في الاعتبار لحجم دورها عند النظر في صيغة علاقات ليبيا الدولية دون أن يأتي الأمر على حساب مصالحها العليا.

farag-asha@hotmail.com

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"