بقلم : فلاح محمد المطيري الأربعاء 22-05-2013 الساعة 12:00 ص

العقاب وبدائله

فلاح محمد المطيري

يقتضي التدخل في الدعوى الجنائية تمحيص الأدلة وفحص شخصية المتهم وتهيئة جميع العناصر اللازمة لإصدار الحكم، ونظراً لما يستغرقه هذا البحث من إجراءات قد يطول مداها، اتجه التفكير إلى معالجة الدعوى الجنائية بغير طريق القضاء الجنائي أو بغير طريق القضاء كله، أما عن استبعاد الدعوى من ساحة القضاء الجنائي، فهو يعكس اتجاهاً حديثاً يسمي "بعدم العقاب"، ويقصد بهذا الاتجاه الحد من عيوب العقوبات المقيدة للحرية وخاصة القصيرة المدة، لما لها من آثار سلبية خطيرة سواء على المحكوم عليه أو على أسرته أو على المجتمع كله، فقد واكب هذا الاتجاه الدعوي إلى تطوير نظام العدالة الجنائية من خلال توفير بدائل إجرائية تؤدي بدورها إلى الحد من العقاب وتسهم فى تحقيق العدالة الناجزة، وقد بدأ الخروج عن السير الطبيعي للإجراءات الجنائية في نهاية القرن التاسع عشر وفى أوائل القرن العشرين، حين بدأت بعض التشريعات فى تنظيم محاكمة خاصة للأحداث تكفل إبعادهم عن جو المحاكمة الجنائية، ومعاملتهم على نحو أقل شدة، وامتد نطاق هذه المعاملة الخاصة إلى البالغين فى ضوء شخصيتهم الإجرامية، تحت تأثير تعاليم السياسة الجنائية الحديثة التى بدأت منذ المدرسة الوضعية. وتتمثل معظم تجارب الدول فى الخروج على الإجراءات الجنائية التقليدية التى يباشرها القاضي فى إحدى وسيلتين، هما:

1 — التدخل الاجتماعي، وذلك عن طريق الأسرة أو الجماعة لحل المشكلة المترتبة على الجريمة فى مجالها الخاص، بعيداً عن تدخل الشرطة أو القضاء، وقد تتدخل الشرطة فتحيل المشكلة المترتبة على الجريمة إلى الأسرة أو الجماعة لحلها بدلاً من رفع الأمر إلى النيابة العامة.

2 — تحقيق العدالة الجنائية بغير مرور بمرحلة المحاكمة أو بمرحلة التنفيذ العقابي، ويتم ذلك من خلال بدائل للدعوى الجنائية أو بدائل للتنفيذ العقابي.

 وقد تصاعدت هذه الدعوى مع الاتجاه إلى إعطاء المجني عليه دوراً مهماً فى السياسة الجنائية حتى يصبح طرفاً حقيقياً فى العدالة الجنائية، فى ضوء ذلك بدأ الاعتراف بالدور المهم الذي يمكن أن تلعبه إرادة الفرد لتحقيق العدالة الجنائية، مما أدى إلى تطوير هذه العدالة لكي يتحقق بطريق التراضي أو من خلال التفاوض بين ممثل الاتهام والمتهم. وفى ظل هذا التطوير لم يعد هدف العدالة الجنائية الوحيد هو العقاب، بل أصبح تحقيق الحماية للحقوق الخاصة للأفراد، وأصبح إصلاح العلاقة بين المجني عليه والمتهم هدفاً مهماً في هذا التطوير، مما جعل تحقيق العدالة الجنائية من خلال التعويض أقرب منه من خلال العقاب، ورغم هذا الهدف فقد استمر البحث عن الحقيقة هدفاً ثابتاً للعدالة الجنائية، وانحصر التغيير فى مجرد الوسائل لتحقيق مبدأ: "إن الاتفاق العادل أفضل من خصومة عادلة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"