بقلم : د. عبد الرحيم نور الدين الثلاثاء 24-07-2012 الساعة 12:00 ص

منعطف العزاء الشامل

د. عبد الرحيم نور الدين

يمر السودان بمنعطف عزاء مريع ومفجع وشامل لقطاعات عديدة من البنية الاقتصادية التي جرفها تيار البؤس والشؤم نحو هاوية سحيقة الأغوار.. ولا يلتمع في الأفق بروز منقذ حازم لتخفيف حدة سرعة الانحدار الماحق.

فقد طوقت سرادق العزاء والنعي: الصحف اليومية وجل مصانع الأدوية، والجنيه السوداني الذي تردى وتدنى إلى أدنى مستوياته منذ أن نالت البلاد استقلالها، كما أن الكل يترقب إصدار شهادة وفاة للناقل الوطني "سودانير" ما لم يتخذ خطوات جادة لإنقاذها من المصير المحتوم والمكتوم.

دعونا نطوي صفحاً عن كل ذلك، نركز على مآلات ومهددات فناء الصحافة السودانية من الفضاء الإعلامي الشاسع.. خلال الأسبوع الماضي، نعى رؤساء تحرير الصحف الأوضاع الصحفية في البلاد محذرين من توقف الصحف عن الصدور عقب عطلة رمضان بسبب: ارتفاع أسعار الورق ومدخلات الطباعة، والتشغيل والرسوم والضرائب الباهظة على صناعتها.

يضاف إلى ذلك، أن عدداً كبيراً من الصحف قد توقفت بالفعل عن الصدور، كما أن صحفاً أخرى قد أوقفتها الجهات الأمنية بحجة أنها تخطت الخطوط الحمراء وأحدثت ثقوباً في السقوف الإعلامية التي حددتها السلطات الرسمية.

ومما يزيد الأمر بشاعة وقبحاً أن السلطات الأمنية قد اعتقلت عدداً كبيراً من الصحفيين والمدونين وكتاب الرأي والناشطين الذين اعتبروا مشاغبين أسهموا في تأجيج الاحتجاجات الشبابية والشعبية التي اجتاحت مدن السودان منذ أكثر من أربعة أسابيع.

الإجراءات الاستثنائية القاسية التي اتخذتها الحكومة، بإيقاف الصحف، والزج بالصحفيين في السجون والمعتقلات يعد أمراً مشيناً بالصحفيين في السجون والمعتقلات يعد أمراً شائناً وغير مقبول في دولة تعاني أجهزتها من تفشي الفساد، وموجات التمرد، وتربص المتربصين بالسودان وشعبه وتحويله ليس فقط إلى دولة فاشلة، بل استخدام كل السبل والوسائل لكي يختفي السودان من الساحة العربية والإفريقية وسلم الوجود الدولي.

هنا تبرز الأهمية لوجود صحافة حرة ومسؤولة تلقي على عاتقها الإسهام في ممارسة سلطتها الرابعة للوعي والتثقيف، والبناء الفعال وكشف المفسدين والمتآمرين على وحدة البلاد، وسيادتها وتحسين صورتها الباهتة والمهترئة على النطاق الدولي.

حقاً، لقد فاقمت إجراءات تطبيق الرقابة القبلية على الصحف واعتقال الصحفيين من تراجع أوضاع الصحف السودانية، إضافة إلى اقتصادات الصحافة، وتدني وضمور عائدات الإعلانات، وتراجع عمليات التوزيع.

ومن نافلة القول أن كل هذه الإجراءات مجتمعة قد قادت إلى أن تكون جميع الصحف متماثلة في الشكل والمضمون والعناوين مثل طيور البطريق.. وقد أضحت مثل النشرات الرسمية بلا طعم، ولا مغزى، ولا معنى ولا مضمون يجعل القارئ يقبل عليها.

وينفر أميالاً من الصحف اليومية ويتجه إلى الإعلام المجتمعي والفضاءات المفتوحة، وحتماً سيجد فيها ما يتوق إليه من أخبار محجوبة، وتقارير محظورة.

حالات الموت المفاجئ التي قد تصيب ما تبقى من الصحف، يمكن تداركها باتخاذ سلسلة من الإجراءات والتدابير الجديدة والجريئة.. ومن أهمها:

- بسط حرية الصحافة على نحو يحقق حرية المواطن والقارئ في تلقي الأنباء والتحليلات الرصينة.

- على الصحفيين أنفسهم الالتزام بقواعد السلوك المهني والالتزام بالموضوعية والدقة والحياد والمصداقية.

- إيلاء أهمية فائقة لاقتصاديات الصحافة ومدخلاتها الباهظة.

- رفع وإزاحة الرقابة القبلية على الصحف.

- عدم اللجوء إلى اعتقال الصحفيين "المشاغبين" والاحتكام إلى القضاء والجهات المختصة في مجلس الصحافة والمطبوعات بدلاً من تدخل عسف الجهات الأمنية.

- على أصحاب الصحف والناشرين إعادة النظر في كثرة وتكاثر عدد الصحف التي وصل عددها إلى ما يناهز الثلاثين صحيفة.. وأن يتواضع أصحاب الصحف على حلول مرضية من بينها دمج الصحف المتماثلة في الرؤى والأفكار والنهج والتوجه.

وعطفاً على تقارير خبراء الإعلام، فإن الصحف الورقية سوف تموت، ويشكل لها متحف خاص بها خلال العشرين سنة القادمة على الأكثر.

ونحن لا نستمرئ ولا نطيق أن نرى الصحافة السودانية تموت وتفنى وتندثر، ويقام لها سرادق العزاء قبل أن يأتيها ملك الموت الإلكتروني الحقيقي!

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"