بقلم : لحدان بن عيسى المهندي الأحد 24-03-2013 الساعة 12:00 ص

التفرد بالرأي

لحدان بن عيسى المهندي

حتى لا يزعل أحد، ليس هذا المقال نقدا في كيوتل — أوريدو — أو غيرها ممن سيأتي ذكرهم هنا لكنه سيستخدم جانبا من بعض الفعاليات التي بنيت على التفرد بالرأي فأتت بالسلب على صاحبها لا بالايجاب، كمضرب للمثل.

وأود التركيز على امر هنا، وهو ثقافة الاختلاف، فأنا حينما أختلف معك لايعني انك سيئ وانا افضل منك أو العكس، وانما يعني انني وأنت نختلف في النظر حول نقطة ما يكون فيها رأيي — كما أراه أنا — صوابا يحتمل الخطأ، ورأيك فيها — كما أراه أنا أيضا — خطأ يحتمل الصواب، وكذلك ينبغي أن يكون الحال بالنسبة لرأيك — كما تراه أنت طبعا — حول نفس النقطة. أتفقنا؟... إذاً فاسمعوا التالي:

يكاد يجمع كثير من المراقبين من مواطنين وغير مواطنين، فنيين وغير فنيين، على أن شعار كيوتل الجديد هو شعار فاشل، لأنه يفتقر الى ابداع المدلول ومدلول الابداع، لغويا وشكليا، فهو مسخ من خليط من عدة شعارات لشركات منافسة وغير منافسة، لم ولن يغير هذه الحقيقة بهرجة احتفالات التدشين.

كان يمكن لكيوتل، ان تشارك الناس في حثهم للتفكير معها حول ابداع شعار جديد بالمدلولات المطلوبة فحتما ستجد سيلا من الافكار الابداعية التي تغنيهم عن مسخ أوريدو، وهذا ما حدث في أولمبياد أتلانتا 1996 وقد كنا طلبة فيها حينذاك، فقد طلبت اللجنة المنظمة من الأهالي اقتراح شكل لـ "التعويذة" فجاءتهم اقتراحات عجيبة غريبة اختاروا منها شخصية كرتونية غريبة ابداعية لا تعرف ماهيتها، ثم طلبوا من الأهالي أيضا اقتراح اسم لها، فكان الأسم الذي لم يخطر على بال المنظمين هو هكذا: Whateezit

وهذه الكلمة هي لفظ سؤال what is it أي ما هذا؟ فكان ابداعا في الشكل والاسم لم يسبقهم به أحد ولم يلحقهم به أحد كذلك.

نفس المبدأ حدث في فعاليات أولمبياد لندن الأخيرة، أشرك المجتمع البريطاني فيها بكليته، حتى مستر بن. أما حدث إيراء — فصيحة — الشعلة فالكل كان شغوفا لمعرفة من الشخصية التي ستوريها، وكنا نتوقع — كما هو معمول عندنا — شخصية مشهورة أو الملكة اليزابيث أو أحد أبنائها، ولكن المفاجأة كانت أنهم أتوا بمجموعة أطفال أوروا الشعلة، وهذا رمز لمشاركة المجتمع بجيله القادم في هذا الانجاز، بل تعدوا هذا لمشاركة ذوي الاعاقات، وما قفز الملكة من الهوليكوبتر الا ابداع اخر.

لا أريد أن استرسل في ذكر الأمثلة في هذا المجال حتى لا يزعل علي من أحب، المهم أن الفكرة وصلت.

المشاركة رمز التحضر ويلازمها الابداع، والفردية أحد رموز التقهقر ويلازمها الخطأ، خصوصا في الرأي والقرار. المشاركة صواب وان أخطأ القرار، والفردية خطأ وأن أصاب القرار، فالأولى مبنية على أسس صلبة تمكنها من تجاوز الخطأ وقلبه صوابا، أما الثانية فقاعدتها هشة يتحول صوابها الى خطأ لا يمكن تداركه.

هب أن شخصا لا يحسن السواقة أراد شراء حاجيات، فساق سيارة على الطريق السريع واشترى حاجياته ثم رجع بيته سالما، فهل ما فعله هذا صواب أم خطأ ؟ لا أظن أن عاقلا يقول أن ما فعله هذا الشخص صوابا، حتى وان قضى بقراره هذا حاجياته دون ضرر، لأنه ان استمر فيما ظنه صوابا فحتماً سيؤدي الى ما لا تحمد عقباه عليه وعلى غيره، بعكس السائق المتمرس المرخص له فهو مصيب بسياقته حتى وان ارتكب حادثا عابراً، وهذا ما نعني به خطأ القرار حتى وان أدى الى نتيجة صائبة.

مع الأسف ثقافة التفرد بالرأي هي ثقافة عامة عندنا في قطر، فهي موجودة على كل المستويات، بما فيها محيط العائلة، ولا يغير من حقيقة هذا أي ادعاء أو أي بهرجة اعلامية تحاول تجميل وجه هذه الحقيقة المرة. على أنه كلما توسعت دائرة المسؤولية وارتفع أفق القرار كانت ثقافة التفرد أخطر وأكثر ضررا.

وجود أدوات التفكير الجماعي كالذي يسمى بالثنك تانك او المناظرات العامة هي أدوات فعالة للمشاركة الجماعية وتوجيه القرار الوجهة الصحيحة، وهذه الادوات موجودة عندنا في قطر لكنها مع الأسف صور بلا روح، فلن تروي ظمأك صورة كأس مملوء بماء بارد.

عظماء العالم الذين سجل التاريخ انجازاتهم سواء كانت انجازات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية او علمية أو غيرها، لم يكونوا يستطيعون تحقيق تلك الانجازات بفردية، وانما كانوا يقودون ويوجهون فرقاً أحدثت هذا الانجاز، لذا أنصفهم التاريخ وسجل تلك الانجازات بأسمائهم كونهم قادوا تحقيقها، وان لم يتفردوا بذلك.

أما من بهرج الاعلام قراراتهم الفردية ورفعها فوق السحاب، فان هذا الاعلام نفسه، بعد أن غابوا، عاد ليحقرهم ويحقر تلك الانجازات، ولا أحتاج للتمثيل لأن الواقع المعاصر مليء بالأمثلة.

لعل فشل شعار كيوتل لا يضر أحدا ولا حتى يضر أداء كيوتل نفسها، لكن القرارت الفردية المتعلقة بالمجتمع خطؤها يترك اثارا سلبية يصعب تداركها، وتضر صاحب القرار نفسه بتبعات في الدنيا وتبعات أمام ربه يوم القيامة.

نحن في قطر بحاجة الى اشراك المواطن في القرار خصوصا فيما يتعلق بمعيشته اليومية وما يعانيه في سكنه وفي بيئته وعلى الطريق وفي مستشفاه وأمام محكمته وفي مدرسة أولاده، بل وحتى في مشاكله الخاصة.

وظني أننا يلي أمرنا رجل أذنه وصدره مفتوحتان لما يجلب الصلاح والخير على الرعية، ويؤمن ايمانا حقيقيا بما نطلبه ويسعى لتحقيقه، لكن التأني في مثل هذه الأمور قد يضر أكثر مما ينفع.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"