بقلم : لحدان بن عيسى المهندي الثلاثاء 31-01-2012 الساعة 12:00 ص

ماهية الحرية و ماهية العبودية

لحدان بن عيسى المهندي

منذ عدة ليال حضرت ندوة بعنوان: كاتب المقال بين الحرية والمسؤولية، تكرر فيها ترديد مقولة سيدنا عمر لسيدنا عمرو بن العاص "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا" وردت هذه المقولة في الندوة في عدة سياقات مختلفة، كلها ابتعد عن تعريف حقيقة الحرية.

تتعدد تعريفات الحرية بتعدد المتحدثين والمعقبين ولو انك سَألت عن معنى محدد للحرية فستختلف اليك الاجابات باختلاف مشارب المسؤولين، وقد تعرّف الجريمة او التعدي على أنها حرية، فالمثلية الجنسية تعتبر حرية شخصية وهي ليست كذلك وانما هي جريمة تعدٍ على المجتمع وفيها فناء للعائلة، والسخرية من الاديان تعتبر حرية تعبير وهي ليست كذلك وإنما هي شتيمة يعاقب عليها القانون، وسماها القرآن سباً ونهى عنها حتى للأصنام التي تعبد من دون الله فقال "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله".

الخلط في تعريف الحرية يشبه تماما الخلط في تعريف الارهاب او تعريف العدالة او حتى تعريف المال العام، بل ويشبه حتى الخلط في تعريف الحب أو الخلط في تعريف الرومانسية.

هناك مقولة تقول: حريتك تنتهي عند بداية حرية الاخرين، وهذه المقولة خاطئة ولا شك، فالحرية لا تنتهي وليس لها حدود، فاذا قيدت انتفى عنها وصف الحرية، وانما اختلط على قائل هذه المقولة الفرق، فسمى التعدي حرية، فهل انت حر مثلا في مد يديك في جيوب الآخرين؟ بالطبع لا.

أحد مظاهر الحرية الذي لا يحد ولا يقيد هو حرية التعبير، انت حر في تعبيرك حتى في الطعن في الدين (الطعن شيء مختلف عن السب والشتم) وقد طُعن في الدين أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ونقلها لنا القرآن فقالوا "إن هذا إلا أساطير الأولين" والشيخ محمد الغزالي رحمه الله كان يقول لا مانع من السماح لأي حزب أو فكرة تحمل أي معتقد، شيوعية كانت او غير شيوعية، شريطة أن تمنحني حرية الرد عليها، فإن لم استطع أن أسحقها فهي أحق مني بالبقاء.

هكذا تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع خصومه، قل فيّ ما شئت لكن امنحني حق الرد، ولهذا السبب لم تصمد حججهم الواهية أمام قوة حجته صلى الله عليه وسلم فأرادوا إسكاته بالقوة "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك" صدق الله العظيم، هكذا حينما تعجز قوة المنطق يأتي منطق القوة، وبمنطق القوة لا جدال في أن الثور أقوى من الإنسان، فحجب الرأي أو الرأي الآخر هو منطق قوة تستخدمه سلطة أو جهة أو حتى مؤسسة إعلامية، وهو منطق حيواني لا يصمد طويلا.

إذاً الحرية لا تقف عند حد ولا تقيد بشرط وهي شيء مختلف تماما عن التعدي وعن الجريمة التي سميت ظلما بالحريات الشخصية أو بالحريات التعبيرية. تعريف الحرية ببساطة هو عكس العبودية وهي شعور وليست حالة ظاهرة، أي أنه يمكن ان يشعر الانسان انه حر وهو في ظاهره عبد، كسيدنا بلال مثلا، والعكس صحيح، ويشعر انه حر وهو مقيد وراء قضبان كابن تيمية رحمه الله حينما قال "ما يفعل اعدائي بي؛ جنتي في صدري، وسجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة"، وهناك أبيات رائعة للشيخ القرضاوي حول هذا المعنى يقول:

ضع في يدي القيد ألهب أضلعي

بالسوط ضع عنقي على السكين

ِلن تستطيع حصار فكري ساعة

أو نزع إيماني ونور يقيني

فالنور في قلبي وقلبي في يدي

ربي وربي ناصري ومعيني

وإذا سلمنا بأن تعريف الحرية هو عكس العبودية فإذاً يلزمنا بداءةً تعريف ماهية العبودية.

من خلال سياق القصة التي دفعت سيدنا عمر لقوله، وبكل عفوية، عبارته الشهيرة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا؟!" يستجلي بكل وضوح تعريف العبودية، فقد روي أنه حينما سبقت فرس القبطي فرس ابن سيدنا عمرو بن العاص اعتلاه بالسوط وقال: اتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟! (وهو فعلا ابن أكرمين، لكن هذا لا يتيح له التسلط) ذلك القبطي لم يكن عبدا مملوكا لابن سيدنا عمرو، ولم يصفه ابن سيدنا عمرو بأنه عبده مملوكه، فلماذا إذاً قال سيدنا عمر "متى استعبدتم الناس"؟

والجواب هو أن الفعل وهو التسلط كان بمثابة جوهر الاستعباد، ولأن القبطي حرّ، ادرك هذا المعنى ولم يرض به، رفع مظلمته لسيدنا عمر وتكبد مشقة السفر من مصر إلى المدينة لأنه أيقن أن هناك حرّا سينصفه (على فكرة، نادي السباق والفروسية عندنا يكرر نفس هذه الحادثة باستمرار لكن بصورة مختلفة، وهناك مجموعة عبيد قائمون على ذلك)

الاستعباد هو التجاوزات على الناس ماديا او معنويا فقط لانك (ابن الأكرمين) أو لأي نوع من انواع الطبقية الاجتماعية التي تسوغ لك هذا التجاوز، والحر هو من لا يقبل بهذه التجاوزات وان لم يغير الواقع، وقد قالت العرب قديما "الحر حر وإن مسه الضر" أما العبد فهو من يقبل راضيا بهذه التجاوزات.

اتابع بعض المرشحين الكويتيين من انصار الشيخ ناصر المحمد، قال هذا المرشح وهو يفند ادعاء خصوم الشيخ بنهب المال العام والذين عرضوا صوراً لمجموعة من السيارات الفارهة تخص الشيخ ناصر، قال "هو شيخ وابوه شيخ ومن حقة ومهوب غريبة تكون عنده هذي السيارات" انتهى، فإن كان هذا هو السبب الوحيد لامتياز حصوله على هذه السيارات فقد لخص هذا المرشح معنى الاستعباد وهو التجاوز كنتيجة طبقية لا غير، وهذا المرشح ينطبق عليه حقيقة العبد لأنه قبل راضيا بهذا التجاوز.

قد نتحدث في كثير من الامثلة الواقعية في مجتمعنا القطري لنفرق فيها بين الحرية والاستعباد، لكن المثال الحي الذي لا يمكن تجاهله هذه الايام هو تجاوز واستبداد طيران القطرية من خلال دخول الدولة كشريك مع مجموعة هؤلاء الشركاء واستبداد الشركة بالمطار والشحن واحتكار الملاحة الجوية ورفعها لسياط الاسعار على المواطن وسياط انتهاك حرمة الدين وانتهاك مشاعر الوطن وبنود الدستور بترويجها للمحرمات، كل ذلك يعتبر نوعا من استعباد المواطن حسب تعريف سيدنا عمر والذي اصطلحت عليه الأمم المتحدة في دستورها كأول بند في بنود حقوق الإنسان، ورفض استبداد القطرية هذا هو شعور حر داخلي للمواطن تمثل في مقاطعتها تماما كشعور ذلك القبطي الحر الذي رفض ان يكون عبداً لابن الأكرمين.

بعيدا عن القطرية، وبعيدا عن كل التعريفات الرنانة لمعنى الحرية، أسقط هذا المقياس في تعريف الحرية على واقعك وسيتضح لك تماماً معنى كلمة الحرية في الندوة المعنونة "كاتب المقال بين الحرية والمسؤولية" وماهية الحرية المفترض ان تمنح لكتاب المقالات، وستختبر أيضا أي حديث منمق عن الحرية في المجتمع، ومن خلال هذا المقياس ستعرف أيضا هل أنت حر أم انك عبد تساق.

wasm03@yahoo.com

Twitter: @lahdane

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"