بقلم : لحدان بن عيسى المهندي الإثنين 05-09-2011 الساعة 12:00 ص

عقلي صغير لا يستوعب النصح

لحدان بن عيسى المهندي

جلست ابنتي الصغيرة بجانبي وأنا مشدود أشاهد برنامجا في قناة ناشيونال جيوقرافك، فسألتني: يبه "أبي" هذي "أهذه" قناة مسلمة؟ قلت: لا، قالت: كافرة؟ قلت: لا، قالت بتعجب: شلووون "كيف"؟ قلت: هي تييب "تأت ب" أشياء زينة، قالت: يعني مسلمة، قلت: نعم…لا لا..، فزادت حيرتها وزاد عجزي عن الاجابة بمنطق تفكيرها وماذا يمكن ان نعني بالمسلم أو الاسلامي وغير الاسلامي، فتجاهلت جميع النظريات التي توجب النقاش مع الطفل والنزول الى مستواه العقلي وعدت لمشاهدة البرنامج وسكت عنها وتركتها وحيرتها.

العالم عند ابنتي الصغيرة ينقسم الى فسطاطين، فسطاط اسلام وفسطاط كفر. قناة تبث اناشيد وبرامج دينية: قناة مسلمة، قناة تبث غير ذلك: قناة كافرة، مذيعة محجبة: مذيعة مسلمة، مذيعة غير محجبة: مذيعة كافرة، رجل يدخن: رجل كافر، رجل يكره التدخين: رجل مسلم، وهكذا هي العقول الصغيرة، ليس فيها الا لونان اللون الابيض واللون الاسود، اما ان تكون معي والا فانت ضدي، وقد سبق ابنتي الصغيرة في ذلك فيلسوف زمانه جورج بوش الابن حيث قال مقولته الشهيرة: ان لم تكن معنا فانت ضدنا.

هذان اللونان، الابيض والاسود هما مع الاسف السائدان في حواراتنا الوطنية.. عفوا!..هل قلت حواراتنا الوطنية؟... هل عندنا حوارات وطنية اصلا؟... لا أظن، هل عندنا شيء يشبه ذلك لكنه غير ظاهر؟ لا أدري

أعود الى مسألة الحوار عندنا — اذا اصطلحنا على انه حوار — والذي يكسوه غالبا اللونان الابيض والأسود، بمعنى انك اذا وافقتني الرأي فانت معي وإذا خالفتني فأنت ضدي، وينبغي ان أقرر حقيقة هنا وهي اننا لله الحمد في قطر حتى الآن في مأمن من ردة الفعل العنيفة تجاه من يخالف في الرأي، واذا حدثت حالات شاذة في هذا الشأن فهذا لايعني التعميم، حتى وان أخطأ البعض وعمم تلك الحالات الشاذة الا ان الشاذ يثبت القاعدة كما يقرر المناطقة.

كثير من المسؤولين عندنا اذا استديت رأيا يخالف رأيه او توجهه العام ولصغر عقله فانت عنده اما حاقد، او مغرر بك، او جاهل، او ربما انك تتمنى موقعه لكن "ماحصل لك"، وقد قال لي مرة أحد المسؤولين الكبار وكنت قد قابلته صدفة وأخذ يناقشني في بعض ماكتبت قال "لا تحاول ان تكون رأساً فإن الرأس كثير الصداع" إشارة منه الى ان أهدافي من الكتابة لا تتعدى الا انني اود ان أكون "رأساً"، وسوء الظن هذا هو اخطر مرض في اي حوار او نقاش فهو يُجهز على اي فرصة للاستماع او التعديل او التطوير.

لذلك ترى صورة انك ضدي اذا خالفتني الرأي تأتي على هيئة الصفح، والصفح هنا ليس بمعنى العفو ولكن بمعنى الضرب صفحا عن رأيك وعدم الالتفات له، مما قد يعتبر عدم الاحترام لرأيك، الامر الذي يتعدى الى عدم الاحترام لشخصك، تماماً كما لو أني قلت لابنتي الصغيرة ان قناة ناشيونال جيوقرافك كافرة، لكانت أسكنتها الفسطاط الآخر ولضربت عنها صفحا.

واذا كان عدم الاحترام لشخصي او لرأيي كمواطن يتأتى من شخص مثلي فهذا ليس فيه اي مشكلة، فكل له الحق لأن يحترم او لا يحترم رأيا ما، او شخصا ما.

لكن ان يتأتى عدم الاحترام لرأيي هذا كمواطن من مسؤول او من الدولة نفسها فهذا امر غير مقبول البتة، خصوصا اذا كان رأيي هذا في امر يؤثر على مصيري ومستقبلي.

هذا الضرب صفحا برأي المواطن يستبين في كثير من القضايا في مختلف جوانب الوطن، لكن مثاله الصارخ يظهر في قضيتين رئيسيتين تشكلان حاضر ومستقبل المواطن باجياله الحالية واللاحقة، الا وهما التعليم بما فيه التعليم العالي وجامعة قطر، والصحة، ولن افيض في الاعتراضات والآراء التي طرحت وتطرح من قبل المواطنين حول هاتين القضيتين ومدى الإمعان في الاعراض من قبل المسؤولين عن آراء المواطنين لان الكل يعلم ويعاصر ما يحدث.

محض الخطأ ان ينظر الى رأي المواطن المخالف في قضيتي التعليم والصحة او في أَي قضية أخرى على انه اما متخلف، او قاصر علم لا يستوعب هذه القرارات والإجراءات، سيما وان جاءت هذه القرارات بنتائج خطأ تتلوها نتائج خاطئة تتلوها نتائج اكثر خطأ.

فإذا نظرت الي ان خالفتك وانا في دائرة الوطن او ان نصحتك على انني من الفسطاط الآخر، فثق بأنك صغير في عقلك طفولي في تفكيرك فلن تستوعب النقد ولن تستوعب النصح، فان شئت فأبقِ على هذا المنطق في عقلك او فاصرفه.

والذي يبهرني ويبهر غيري هو كيف لا يبصر هؤلاء النتائج المتلاحقة الخاطئة لقراراتهم الخطأ ومن ثم يعدلون مساراتهم بناء على ذلك.

البعض يعتقد بنظرية المؤامرة التي تجبر هؤلاء المسؤولين على الاستمرار في الخطأ رغما عنهم، وانا استبعد ذلك، لكني اعتقد بنظرية كاريكاتير السباق بين قاربين احدهما لفريق ياباني والآخر لفريق عربي، والذي انتشر في الانترنت، والذي يبين الفرق في العقلية وفي منطقية التفكير بين فريق القارب العربي وفريق القارب الياباني، فنحن في فريق القارب العربي مع الاسف، ويمكن الرجوع لهذا الكاريكاتير للاستيضاح.

ان قضية من يخالفني فانه ضدي او قضية الفسطاطين، والتي هي مع الاسف منتشرة عندنا، هي ليست فقط خطرة على المواطن ولكن خطورتها تتعدى الى الوطن فقد تجر الوطن الى تبعات لايرتضيها احد.

احترام رأي المواطن هو ضمنيا احترام لهذا المواطن وهو ايضا احترام لهذا الوطن وخوف عليه، وهو امر يقره الدستور ويفرضه القانون والشرع ويحتمه الواقع وتستدعيه مصلحة الوطن، حتى وان خالف رأي المواطن هذا التوجه العام او العرف المعمول به، ولقد تأخرت الدولة كثيرا في استجلاب رأي المواطن ومناقشته والأخذ بخيره مما أساء ويسيء لهذا الوطن ويضر به.

يقول تعالى "فبشر عبادِ، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" الزمر، وهذه البشرى ليست فقط في الآخرة ولكنها أيضاً بشرى الفلاح اي التطور والتقدم في الدنيا.

فمتى ستكبر العقول وتخرج من دائرة الفسطاطين وتستوعب الرأي الأخر وتستوعب النصح.

wasm03@yahoo.com

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"