بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 28-01-2013 الساعة 12:00 ص

قراءة في قرارات القمة العربية الاقتصادية

عبد الوهاب بدرخان

يجدر بالجامعة العربية أن تتصرف إعلامياً بشأن القمم الاقتصادية على نحو مختلف تماماً عما تفعله في القمم السياسية، لماذا؟ لأن القمم الاقتصادية، مبنية على رؤية شاملة، تنموية واجتماعية، وتتطلب شرحاً للأولويات والأهداف، وما تحقق منها وما تعثر وما تأخر وما يبدو صعبا تحقيقه، مع إبداء أسباب الصعوبة أو الاستحالة، لأن المسائل المتعلقة بالاقتصاد لا تحتمل اللبس. أما كيف يمكن للجامعة أن تتصرف بشكل مختلف، فبإمكانها عرض برنامج العمل المنبثق من كل قمة، وما يفترض تنفيذه وأين، وفي ضوء هذا البرنامج يمكن قياس الإنجاز والتقدم أو على العكس، التقاعس والتلكؤ.

غني عن البيان أن ما يسمى "العمل العربي المشترك" متخلف عما يجب أن يكون نحو بضعة عقود، خصوصاً في المجال الاقتصادي والتنموي، ورغم أن قرارات قمة الرياض الأخيرة، وقمتي الكويت 2009 وشرم الشيخ 2011، قبلها، توفر فكرة عن حاجات العالم العربي، إلا أنها تبدو بحاجة إلى التعريف بها، فلا شك أن القرارات بنيت على أولويات، وأن هذه استنبطت من دراسات جادة ومفصلة قام بها خبراء على مدى أعوام وتوصلوا فيها إلى توصيات محددة، ومن الطبيعي أنها تخضع إلى تحديث مستمر.

الحديث هنا عن 22 دولة يمكن تصنيفها في أربع أو خمس فئات: غنية مقتدرة وتقرب من استكمال برامجها التنموية، لديها الموارد اللازمة ولا تزال في طور النمو، متوسطة القدرة والموارد، ضعيفة، أو معدومة القدرة والموارد، بديهي أن هذا التفاوت لا يقتصر فقط على اقتصادات حيوية أو جامدة، بل يعني أيضا إدارة فاعلة أو فاشلة للموارد، وبالتالي خدمات اجتماعية (تعليم، صحة، غذاء..) متوافرة أو قاصرة ومحدودة، هناك دول لديها فائض ودول لديها عجز مزمن ولا تعرف كيف تدبر أجور العاملين في اجهزة الحكومة، وكل هذه الدول يجلس قادتها جميعا إلى طاولة القمة ليبحثوا في الأوضاع الاقتصادية للعالم العربي، لا ضير في ذلك، لكن الواقعية تحتم القول إن هذه القمة هي بالأحرى اجتماع بين المانحين والمحتاجين، والأخيرون هم الأكثرية.

لعل هذا الواقع هو ما يملي على القمة ان تبقى في العموميات والاهداف الاستراتيجية التي برزت منها في "إعلان الرياض" مثلا عناوين: تعزيز قدرات مؤسسات العمل العربي المشترك، تشجيع الاستثمار البيني، تطوير استخدامات الطاقة، الأمن الغذائي، الأمن المائي، البيئة، التعليم والبحث العلمي، الشباب، المرأة، المجتمع المدني.. وقد يكون التعميم مفهوما، فالقادة يلتقون لتحديد الاهداف العامة، وتأكيد التزام تنفيذها، اما التفاصيل فتتولاها مؤسسات متخصصة أو مشتركة، وهي التي اقرت زيادة في تمويلها بنسبة 50%، أي أن الصناديق التي ترعى مشاريع تنموية ستجد امكانات للتوسع فيها وفقا لقوائم الحاجات الحيوية أو العاجلة لدى الدول ذات القدرات المتوسطة او الضعيفة او المعدومة، لكن الملاحظ في نص القرارات ان معظم البنود يتضمن عبارات مثل "تهيئة المناخ اللازم" أو الإسراع في "انجاز التشريعات الضرورية" أو "الدعوة إلى وضع البرامج وخطط العمل"، أو حتى "التشديد على التزام التنفيذ" ما يشي بأن العمل إما لا يزال في بدايته أو أنه يعاني من عدم الالتزام، وهذا يحيلنا مجددا إلى الداء الأساسي الذي انتاب العمل العربي المشترك منذ بداياته، وهو تلكؤ هذه الدول أو تلك في تنفيذ أو سداد ما يتوجب عليها.

بين نصوص القرارات والواقع المعيش ثمة فجوة سحيقة، فالمطلوب اكبر بكثير من المتوافر، وحتى في الحالات التي يتأمن فيها التمويل لمشروع ما لا يلبث أن يتبين ان الجهة المدعومة لم تبذل الجهد الكافي لتشغيل هذا المشروع اما لنقص الكوادر او لأن الفساد قضم بعضا من التمويل، او في معظم الاحيان لأن التمويل المخصص للمشروع استخدم لتلبية حاجات اخرى ملحة، وهكذا يتضح وكأن الدول والحكومات المحتاجة استكانت لنظام ريعي اعتادت عليه ولم تضع الخطط الوطنية اللازمة للتخلص منه تدريجيا.

لا شك ان احد اهم قرارات قمة الرياض ما اعلن عن اقرار واعتماد الاتفاق الموحد لاستثمار رؤوس الاموال العربية في الدول العربية، لتتواءم مع المستجدات على الساحة العربية والاقليمية والدولية، ورغم ان العبارة انشائية ويمكن ان تعني شيئا أو لا تعنيه اطلاقا، الا ان ما يفهم منها هو التعامل مع الصعوبات الاقتصادية والمالية التي يواجهها بعض دول الربيع العربي، والمؤمل ان يبدأ العمل بهذا الاتفاق السنة المقبلة 2014 إذا توافرت الشروط لتسهيل تدفق الاستثمارات، وعدا ان هذه الخطوة تبدو متأخرة بضعة عقود، الا ان النص عليها واعلانها وتوجيهها نحو هدف محدد هو جذب الاستثمارات الاجنبية يشير إلى وعي جديد لدور الاستثمار ووظيفته التنموية، مع ذلك تكثر التساؤلات والتكهنات حول امكان تنفيذ هذا الاتفاق، وما إذا  كانت الاسباب التي حالت سابقا دون تدفق الاستثمارات قد زالت، فالأمر يتعلق بـ"حلم" عربي لم يسبق لأي اتفاق أن اقره بهذا الوضوح، خصوصا انه يبحث منذ اعوام وخضع لتعديلات كثيرة، والمؤكد أنه يلزم الطرفين، المستثمر والمستفيد، بشروط لن تنجح العملية التنموية المتوخاة إلا بتلبيتها.

يلاحظ أخيراً أن مصطلحات كثيرة تنبغي مراجعتها طالما أنه يصعب ترجمتها إلى آليات عمل، فـ"التكامل" الاقتصادي متعذر بسبب ضآلة مجالات التبادل بين دول متفاوتة الموارد وأنظمة حكم غير متشابهة، كذلك مصطلح "السوق العربية المشتركة" الآخذ في التراجع لمصلحة "تجمع اقتصادي عربي متين" وحتى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، قد لا تكون عملية لأكثر من نصف البلدان العربية، غير أن المسألة ليست مسألة مصطلحات معبرة عن أهداف، وإنما مسألة طموحات سياسية يصعب موضوعيا بلوغها بالمفاهيم والوسائل الاقتصادية إلا إذا تغير جذريا نمط التفكير في إدارة وتخطيط المساعدات والاستثمارات والهبات وضمان ارتباطها بمشاريع حيوية يفترض أن تخلق بدورها ديناميات عمل لا ديناميات احتياج دائم.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"