بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 14-01-2013 الساعة 12:00 ص

أمريكا تنصح بريطانيا بالبقاء في أوروبا

عبد الوهاب بدرخان

تكاد تكون نادرة المرّات التي تتدخل فيها الولايات المتحدة في شؤون الدول الغربية الحليفة على نحو علني، لا شك أنها تمارس هذا التدخل عبر قنوات شتى، فهناك التشاور الدائم، والتنسيق المسبق للقرارات، والمراسلات الدبلوماسية، والمتعارف عليه أن الدبلوماسية البريطانية، الشهيرة بعراقتها ونفاذها ودقتها وحتى ببرودتها، هي بشكل أو بآخر المختبر الأولي الذي تصنع فيه الدبلوماسية الأمريكية وقراراتها، أو العقل المفكر الذي يقف وراءها، غير أن هذا التقويم لا ينفك يتراجع ويأفل، إذ يعتقد الاختصاصيون أن هذا انتهى عملياً مع نهاية وجود السيدة الحديدية مارغريت تاتشر في الحكم، وإذ أتيحت لتوني بلير فرصة إحيائه خلال عهد جورج بوش الابن، إلا أنه انتهى تابعاً للأخير ومتماهياً كلياً مع مغامراته الكارثية.

قبل أيام نشرت الصحف البريطانية تصريحات لمسؤول أمريكي ينصح فيها حكومة ديفيد كاميرون بصرف النظر عن فكرة إجراء استفتاء شعبي على مشروع قد يؤدي إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كان ذلك إنذاراً بلباس نصيحة، ورغم وضوح مراميه إلا أن الناطق باسم الحكومة صرّح بأن ما يريده الوزير الأمريكي هو "بالضبط" ما يعتزمه كاميرون. لم يكن هذا صحيحاً لكنه كان مخرجاً حاذقاً لقطع الطريق على جدل متشعب يبدأ بمسألة التدخل في شأن بريطاني ولا ينتهي عند أن الولايات المتحدة باتت أكثر معرفة بما هو جيد لبريطانيا أكثر من حكومتها.

الأكيد أن الدبلوماسية البريطانية ليست في أفضل أيامها، وليس فقط في ما يتعلق بالشؤون الأوروبية، وإنما في مختلف الملفات، يعتقد كثيرون أنها فقدت الكثير من إبداعيتها، رغم أن المهنيين والمحترفين فيها لا يزالون يقومون بعملهم كالمعتاد، ما يعني أن المعطيات والأفكار وعناصر القرار لا تنقصها، لكن ما ينقصها هو الرؤية والإرادة والقرار السياسي، لذلك تبدو كأنها مجرد جهاز يقوم بالمتابعة وتصريف الأعمال، وقلّما يتخذ مبادرة أو يحاول التخفف من الأثقال التي تشل حركته، فعلى سبيل المثال كانت هناك قناعة ناجزة بالتصويت بـ"نعم" لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يمنح فلسطين صفة "الدولة"، لكن اعتبارات كثيرة أهمها الضغط الأمريكي منعتها من ذلك. في حين أن فرنسا التي تعرضت للضغوط ذاتها حسمت قرارها بوضوح. مثال آخر: رغم أن توزيع المهمات في إطار حلف الأطلسي يعطي بريطانيا وفرنسا أولوية في إدارة الشأن الليبي، إلا أن الدور الفرنسي كان أكثر نشاطاً ومرونة وحسماً، مثال ثالث: بقي الموقف البريطاني من الحدث السوري مشوشاً لفترة طويلة، وتبيّن أن سفيراً مقرباً من رئيس الوزراء أقنعه بالتصعيد اللفظي ضد النظام وبالمراهنة عليه واقعياً.

في تبرير الحال التي آلت إليها الدبلوماسية البريطانية يسوق المحللون ذرائع تبدأ بالنهج "الكارثي"، الذي اتبعه بلير، مروراً بالأزمة الاقتصادية والمالية، مروراً بالتقلبات غير المفهومة دائماً لدى "الأخ الأكبر" الحليف الأمريكي، وقد تكون هذه أسباباً موضوعية يتوجب أخذها في الاعتبار، بل اعتمادها كأعذار، إلا أنها لا تمنع أن يكون هناك قرار، فحتى بلير، في غمرة انجرافه في السياسات البوشية، كان يحاول بين الحين والحين طرح أفكار تشتم منها محاولات للتصحيح أو لتعديل التوازن، كما فعل حين حضّ حليفه الأمريكي على تنشيط "عملية السلام" بين الفلسطينيين والإسرائيليين للتخفيف من الوقع السيئ لغزو العراق.

ورغم أن هذا التحرك لم ينتج شيئاً، بسبب الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل، إلا أن فكرته كانت صائبة، أما ألا تكون للندن رؤية ولا دور ولا تأثير فما الذي يميزها عن أي دولة أخرى لا تتمتع بـ"الفيتو" في مجلس الأمن.

اللافت في التدخل الأمريكي بشأن الاستفتاء على وضعية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، انه ينبه حكومة كاميرون إلى ما تعرفه مسبقا لكنها لا تعترف به، وهو أن استفتاء كهذا في الظروف الاقتصادية الصعبة ستعرف نتيجته مسبقا، لأن  عموم الناس تبحث عن أي شماعة تضع عليها سوء أوضاعها المالية.

أما التداعيات المتوقعة لمثل هذا الخيار فلن تعرف إلا في وقت لاحق، بعد أن تكون الواقعة قد وقعت، أكثر من ذلك، يذهب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الأوروبية فيليب غوردون، إلى حد القول إن كل ساعة تضيعها بريطانيا في مناقشة وضعها وكيفية استعادة بعض الصلاحيات التي فقدتها لمصلحة "الاتحاد" هي ساعة يجب استغلالها للتركيز على التنمية وإيجاد فرص العمل. وفيما يسعى كاميرون إلى هذا الاستفتاء ليتسلح به في مطالبة الأوروبيين بفتح "معاهدة لشبونة" لإجراء تعديلات عليها، يستبق الشركاء خطوته بإبلاغه أن إعادة النظر في المعاهدة ستغرق الاتحاد في نقاشات عقيمة لا نهاية لها، لذلك فإن طلبه مردود سلفاً.

كان الاعتقاد السائد أن أمريكا لا تنظر بارتياح إلى الاتحاد الأوروبي، وأنها تنافسه وتميل إلى التقليل من شأنه، لكن يبدو أن لأمريكا – أوباما نظرة مختلفة، فها هو مساعد الوزيرة يقول إن أمريكا "تكسب من اتحاد أوروبي تكون بريطانيا فيه ويكون له صوت قوي في الدفاع عن مصالحنا المشتركة"، لكن ما يصدم في الموقف الأمريكي أنه يبلغ بريطانيا بصراحة ووضوح أنها "أكثر فائدة" لأمريكا داخل الاتحاد الأوروبي، بل يلمح إلى أن قيمتها الاستراتيجية ستنتقص إذا تخلت عن عضويتها في هذا الاتحاد، وفي ذلك نبأ سيئ لبريطانيا التي اعتقدت دائماً بأمرين ثابتين: الأول أن قيمتها الاستراتيجية تعزى إلى تحالفها القوي مع أمريكا. والثاني أنها يمكن أن تكون أقوى خارج الاتحاد الأوروبي، من الواضح أن عليها إعادة النظر في تقويمها لعناصر قوتها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"