بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 07-01-2013 الساعة 12:00 ص

عبدالوهاب بدرخان

عبد الوهاب بدرخان

يستطيع الفلسطينيون أن يدهشوا أنفسهم، وأن يقدموا أحياناً على ما لا يتوقع منهم، لكن الآخرين ولا سيما العرب يتوقعون منهم أن يقوموا بالخطوة الضرورية والصحيحة لمصلحة قضيتهم وأن يكفوا عن إضاعة الوقت والفرص والجهود في صراع على السلطة رغم أن الأرض والشعب لا يزالان تحت الاحتلال، ولا تنفك المخططات تتجدد لإدامة هذا الاحتلال وتوسيعه وإضفاء الشرعية عليه.

أما الإدهاش فرأينا عينة منه في غزة، التي فتحت كبرى ساحاتها لمهرجان حركة "فتح" في الذكرى السنوية لانطلاقتها، فما كان مستحيلاً منذ عام 2007 أصبح ممكناً بعد هذه الأعوام السوداء.. ورغم ما في ذلك من حساسية، خصوصاً وسط الحديث عن الانتخابات، فإن رئيس الحكومة "المقالة" اتصل برئيس السلطة في رام الله ليهنئه بالمناسبة.

لا شك أن "حماس" التي تحكم القطاع وتديره، برهنت عن ثقة بالنفس ورحابة صدر وأريحية وطنية بتسهيلها الاحتفال الفتحوي. لعلها لا تزال منتشية بنتائج المواجهة الأخيرة مع العدو، بعدما خاضت التحدي ضده وجعلته يطرح على نفسه أسئلة غير مسبوقة، وأهمها: ما العمل إذا لم تعد القوة النارية والتفوق العسكري والقدرة على الغدر والاغتيال كافية لتحقيق الردع؟ بل لعلها خرجت من هذه المواجهة وقد تخلصت من بعض العقد التي اعتملت في داخلها بفعل الحصار القاسي الذي أثبتت بوضوح أنها تغلبت عليه، ولو بثمن كبير من الدم والدمار، ولعلها، أخيراً، تشعر بأنه أصبح لها مدى حيوي سياسي يتمثل في الحكم الجديد في مصر، على عكس السلطة و"فتح" اللتين تشعران بضغوط من كل جانب.

كانت المناسبة لـ"فتح" وقد استطاعت أن تبرهن فيها أن القطاع ليس حمساوياً، فالحشد الكبير أراد أن يقول إن الأمر الواقع السياسي الذي يعيشه القطاع لا يعبر عن حقيقته الشعبية أو عن خياراته الاجتماعية، وبالتالي فإنه يعكس أيضاً صورة واقعية عن شارع موزع بين اتجاهين شبه متساويين، بمعزل عمن يحكم أو يعتقد أنه يحكم، والعبرة، تحديداً في الحال الفلسطينية، في ما يستطيع الحكم أن يحققه للقضية والشعب، لا في من هو في السلطة.

كان المهم والأهم في هذه المناسبة أن الجميع شاء أن ينسبها إلى "المصالحة" التي يرغب فيها الطرفان ويجزمان بأن تقدما أحرز في سبيلها، بدليل أن اتفاقات وقعت وتفاهمات أبرمت ونيات أبديت.

لكنهما راكما الكثير من خيبات الأمل لدى الفلسطينيين والعرب إلى حد أن أحداً لم يعد يثق بدخان الأماني التي تطلق بين الحين والحين، حتى أصبح مفهوما أن تلك المصالحة دونها صعوبات وكأنها مدعوة لأن تجرى بين شعبين مختلفين تماماً ولم يسبق أن كانا شعبا واحدا، وقد حصل أن أحد السياسيين العرب شبّه مساعي المصالحة بمشاريع الوحدة التي شهد العرب نماذج عدة منها خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ولم تنجح بل لم يتبق منها أي أثر. ولم يكن صاحب هذه المقارنة متهكماً ولا ساخراً، وإنما ساقها بكل مرارة وأسف مشيرا إلى أن إدارة الخلاف بين "حماس" و"فتح" جعلت من الضفة والقطاع أشبه بدولتين منفصلتين ومتباعدتين، حتى أن العدو الإسرائيلي بات يجد ضرورة لأمنه ولأمن كل من الدولتين أن يصرف النظر عن الاقتراحات التي كان يقدمها سابقاً لتحقيق مطلب الفلسطينيين بأن يكون هناك تواصل جغرافي بين مناطق دولتهم العتيدة.

لعل المفارقة الكبرى أن حديث المصالحة يتجدد فيما تمر الضفة وسلطتها، والقطاع وحكومته "المقالة" بمزاجين متعارضين تماماً.

فالضفة تعيش إحباطاً ثقيلاً بسبب الأزمة المالية التي بدأت واستمرت للضغط على السلطة الفلسطينية أولاً لأنها وضعت شرطاً لتجميد الاستيطان لفك المفاوضات، وثانيا لأنها أصرت على الذهاب إلى الأمم المتحدة والحصول على وضعية الدولة المعترف بها تحت الاحتلال، أما القطاع فيعيش حالاً واعدة إلى حد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتوقع أن تسيطر حماس على السلطة الفلسطينية "في أي وقت"، وليس مفهوماً إذا كان يدفع بهذا التوقع من قبيل تخويف الإسرائيليين أو استفزاز "فتح". الأرجح أنه أراد أن يبرر مسبقاً برنامجه الانتخابي الذي لا يعترف بشيء اسمه "سلام" مع الفلسطينيين.

في أي حال يتجدد البحث عن المصالحة الفلسطينية وسط عودة إلى الحديث عن مشاريع مشبوهة ليست من الخيارات لدى أي من الفصائل الفلسطينية، فلا "الكونفيدرالية" مع الأردن من الخيارات التي طرحتها "فتح" أو السلطة، ولا "التمرد في سيناء" من الخيارات التي طرحتها "حماس" أو تحاول تسويقها، لكن المعلومات تفيد بأن إسرائيل (بالتفاهم مع الولايات المتحدة) هي التي وضعت هذين الخيارين في التداول، باعتبار أن اليمين المتطرف الذي بات متوقعاً أن يبقى في الحكم لا يريد إزالة الاحتلال عن أجزاء كبيرة من الضفة بذريعة التوسع الديمغرافي، ولا يرى حلاً للمسألة الفلسطينية إلا بالتخلي عن بعض الضفة لتكون في كنف الأردن وبدفع غزة نحو مصر لتكون تحت مسؤوليتها، ورغم أن الولايات المتحدة لا تبدي رسمياً تبنيها لهذه الأطروحات إلا أنها توحي باستعدادها لمباركتها إذا حظيت بموافقة الأطراف، وبالنسبة إليها، وطالما أن إدارة باراك أوباما لا ترغب في تقديم أي مبادرات، فإن أي حلول قابلة للتطبيق ولا تضطرها للتدخل وخوض معارك دبلوماسية من أجلها، هي حلول مرحب بها.

بين الردود التي سمعت على إثارة موضوع "الكونفيدرالية" أنها يمكن أو لا يمكن أن تبحث قبل نيل الفلسطينيين كامل حقوقهم، أو قبل إعلان الدولة الفلسطينية والاعتراف بها، لكن إسرائيل (والولايات المتحدة) تدفعان باتجاه هذه الفكرة تحديداً لأن "حل الدولتين" لم يعد ممكناً، وكذلك لأن هذه الصيغة يمكن أن تغرق قضية التوسع الاستيطاني في الترتيبات الكونفيدرالية المتوقعة في حال أمكن فرض هذه الصيغة، أما تمدد غزة إلى سيناء فيروّج له على أساس أن مصر لم تبد منذ استعادتها شبه الجزيرة تحت سيادتها اهتماماً نشطاً في تنميتها وتأهيلها ولا في الاستفادة منها.

في إطار المصالحة الفلسطينية أصبح مطلوباً، وبإلحاح، توضيح الموقف الفلسطيني من هذه المشاريع، ليس فقط لأنها تثبط جهود المصالحة وتنقض أهدافها، وإنما خصوصاً لأنها تحاول استثمار الانقسام الفلسطيني والإيحاء بأن "الحل المشرف" للقضية الفلسطينية لم يعد ممكناً.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"