بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 31-12-2012 الساعة 12:00 ص

المالكي ومخاطر التلاعب بالسلطة

عبد الوهاب بدرخان

 آخر حجة يريد العراقيون سماعها من رئيس الوزراء نوري المالكي أن استهدافه وزير المال رافع العيساوي، وقبله نائب الرئيس طارق الهاشمي، ليس طائفياً أو مذهبياً، فهذه الحجة استخفاف بالعقول ولا داعي له. أما القول بأن المسألة أمنية بحتة أو قضائية بحتة، فمردود عليه بأن ليس هناك عراقي واحد لا يعرف أن الأمن من احتكارات المالكي، وأن القضاء فاقد استقلاليته بفعل الترهيب الذي يمارسه المالكي، وبالتالي فاقد كل مصداقية.

ما إن تحصل اعتقالات، تقوم بها مجموعات أقرب إلى الميليشيات منها إلى قوات رسمية، حتى يعلن عن "اعترافات"، ولا تفسير لذلك سوى أن التعذيب الوحشي المنهجي، أو الابتزاز الشخصي، يفعل فعله ويوفر لأتباع رئيس الوزراء ما يلقمون به الجهاز القضائي الذي اختاروا له أشخاصاً مخيرين بين إطاعة الأوامر والنزوات وبين مقصلة "اجتثاث البعث" الكفيلة بإقصائهم وتعريضهم للتصفيات الجسدية.

كأي حاكم متفرد، لابد له من استخدام شعار "فرق تسد" وآلياته، أتقن المالكي لعبة العصا والجزرة، الترهيب والترغيب، لاختراق خصومه السياسيين، شيعة كانوا أم سُنة أم أكراداً، ورغم أن مسوقي الدستور، لدى إنجازه في 2005م، لا سيما من الشيعة والأكراد، جزموا بأنه متوازن وأنه خير وصفة لمسار ديمقراطي صحيح، إلا أن هؤلاء أنفسهم وجدوا ويجدون صعوبات جمّة في الاحتكام إليه، أما التعديلات التي طلبها السنة، فأمكن حتى الآن إغراقها في خضم الأزمات المتلاحقة.

كان السياسيون السنة، ومعظمهم من الوجوه الجديدة، أغضبوا قواعدهم الشعبية بانضمامهم إلى "عملية سياسية" كان معروفاً أن هدفهم تهميشهم، لكنهم انطلقوا من الواقع الذي لم يترك لهم خيارات كثيرة، وراهنوا على مشاركتهم الحيوية في "العملية السياسية" من أجل تحسين ظروف الطائفة وأبنائها، من هنا فإن سعي المالكي إلى إقصائهم الواحد تلو الآخر يهدف إلى إبراز نخبة سنية تدين له بالولاء وبالدور الذي يتيحه لها، إذ يتصرف على أنه هو النظام والدولة، ولا يقيم وزناً لما يسمى "شراكة" في الحكم.

إنه يوحي بأن "الشركاء" أدوات تستهلك ويلزم استبدالها، لذا يتصرف على أنه هو "العملية السياسية" ولا وجود لها خارج السلطات التي جمعها كافة في قبضته.

وانطلاقاً من الممارسة لم يعد للدستور أي مرجعية ملزمة، ولا للبرلمان أي وظيفة مقلقة أو رادعة للسلطة التنفيذية، ولا للحكومة أي دور في إعلاء شأن السياسة والسلم الأهلي والوفاق الوطني، فرغم كل التقارير المحلية والدولية التي تتحدث عن استشراء فاقع للفساد، يبدو أن الحكم الحالي يستخدم الفساد لشراء الولاءات وعقد التحالفات وتمرير المصالح وتبادلها، بحيث تحولت "هيئة النزاهة"، إلى جهاز شكلي لا يُصار إلى تفعيل ملفاته إلا عندما يراد التخلص من شخص انتهت صلاحيته في "العملية السياسية"، ووجب المجئ بآخر عملاً بتعميم "فوائد" المشاركة في تلك العملية.

تكمن "عبقرية" المالكي في كونه استطاع أن يقنع الأمريكيين والإيرانيين بأنه النموذج الذي كانوا يبحثون عنه، وعندما نعلم أن التفاهم بين هؤلاء ليس مجرد تقاطع موضوعي أو تلاقٍ ضمني، يتضح أن الركيزة التي يستند إليها المالكي بالغة الصلابة، فهي ثمرة اجتماعات أمريكية – إيرانية عقدت في جنيف خلال الفترة التي سبقت الانسحاب الأمريكي من العراق، ووفقاً للصحافة السويسرية فقد شارك إسرائيليون في بعض تلك الاجتماعات، وكشف ذلك في معرض جدل نشب بين الصحافة والحكومة السويسرية حول تمويل استضافة هذه اللقاءات، وحين يكون "التفاهم" على هذه الدرجة من العمق، يحق للمالكي اعتبار خصومه مجرد لاعبين صغار، لكن هذا لا يعني أنه مطلق اليد إلى حد الإمعان في الخطأ والتهور.

لاشك أن تجربة التوتير مع أربيل أفهمت المالكي أن ثمة حدوداً ينبغي ألا يتجاوزها، ويبدو أن تكرار سيناريو استهداف السنة سيرسم له حدوداً أخرى، إذ استخف بتداعيات تلفيق الاتهامات لنائب الرئيس طارق الهاشمي، رغم أنها بلغت حد طرح الثقة به، ولا يزال الوسط السياسي يفكر في أفضل السبل لمنعه من الترشح لولاية ثالثة رئيساً للوزراء، وها هي قضية العيساوي تفجر حراكاً سنيا يستوجب الحكمة في التعامل معه، لأن استخدام القوة سيؤدي إلى نتيجة عكسية، فالأكيد أن هذا الحراك لا يرمي إلى "جر البلاد بأكملها نحو الفتنة الطائفية"، كما قال المالكي، وإنما هناك فئة تمثل أحد المكونات الثلاثة للعراق وتعرب عن رفضها للأسلوب الذي تعامل به من جانب رئيس وزراء "لا يحترم الشراكة، والقانون والدستور"، كما اتهمه العيساوي، إذن هناك مشكلة ناجمة عن إساءة المالكي استخدام السلطة، وينبغي عليه أن يصحح مسلكه وأن يعالج هذه المشكلة وفقاً للدستور، وإلا فإن عليه أن يواجه التداعيات التي اتخذ بعضها شكل مطالب انفصالية.

كثير من المراقبين رأى في احتجاجات المدن والمناطق السنية ملامح انتقال إلى تقسيم العراق، بمعزل عن احتمالات حصوله أو عدمها، لكنها، معطوفة إلى الحدث السوري وتطوراته المحتملة، تثير الاهتمام، فضلاً عن المخاوف من أن يكون استهداف المالكي للسنة مبرمجا وهادفا، وهذا يستدعي مساءلة الجهات التي تدعمه، أي الولايات المتحدة وإيران تحديداً، فإما أن تكون بصدد إطلاق مخطط تقسيمي لاحت معالمه غداة احتلال العراق، وإما أن يكون رجلها – أي المالكي – ذهب أبعد مما يلزم في التلاعب بالسلطة، وللتعرف على الاتجاه الحقيقي لـ"التفاهم" الأمريكي-الإيراني لابد من مراقبة طريقة المالكي تصعيداً للأزمة أو خروجاً منها، فهو الذي افتعلها من الباب الأمني – القضائي في وقت يحتاج العراق إلى مبادرة سياسية، والأرجح أنه لا يتقن مثل هذه المبادرات، فضلاً عن أنه ليس مؤهلاً لها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"