بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 24-12-2012 الساعة 12:00 ص

سقوط "الممانعة" في مخيم اليرموك

عبد الوهاب بدرخان

كانت صدمة مروّعة لفلسطينيي مخيم اليرموك أن تُقصف "عاصمة الشتات" – كما كرّسوا مخيمهم – بطائرات "نظام الممانعة"، فيما كانوا يظنون أنهم، حيث هم، بمأمن حتى من طائرات العدو الإسرائيلي، بضعة أجيال توالت وتوالدت في هذا المخيم، وشهدت توسع العاصمة الذي ما لبث أن غزاها فجاء السوريون يشاركونهم العيش في شتاتهم، ثم فاقوهم عدداً، وتكاثرت من حولهم مدن "ريف دمشق"، ولم يكن أحداً يتوقع أن الشعب سيثور على النظام، وأن المخيم سيجد نفسه في قلب العاصفة، رغم أن الاحتقان الاجتماعي كان حقيقة يومية يعيشها الجميع.

أراد الفلسطينيون أن يحافظوا على حيادهم، لم ينسوا أنهم ضيوف ولاجئون، صحيح أن مساواتهم بالمواطنين السوريين أقرها قانون خاص منذ 1956، وأن الرعاية والالتحام الشعبيين تجاوزا هذا القانون وكانا أقوى منه، إلا أن الثورة ما لبثت أن فرضت حقائقها وواقعها.

اعتبر الفلسطينيون على الدوام أنهم مدينون بأمنهم وأمانهم إلى الحكم القائم الذي عاملهم، قبل البعث ومعه، بشيء من الخصوصية، لكن التعددية التي تميزوا بها، وتمثلت بتوزعهم على الفصائل المختلفة، لم تكن لتلقى قبولاً من النظام البعثي إلا بمقدار ما تكون تلك الفصائل متكيفة ومنسجمة مع إرادة النظام وسياساته، أي أن "قاعدة المساواة" طبقت هنا أيضاً على أساس الولاء الكامل للسلطة وعدم احترام ما تفترضه التعددية من حقوق وأعراف.

لذلك انعكست مصالحات النظام، أو بالأحرى خلافاته، مع قادة الفصائل على أنصارهم داخل المخيمات، ومنها خصوصاً مخيم اليرموك.

فالفتحاويون عانوا كثيراً، بعد 1982، من الخصومة الحادة التي نشبت بين الراحلين حافظ الأسد وياسر عرفات، أغلقت مكاتبهم ومؤسساتهم، واعتقل كثيرون منهم، وأخيراً تعرض الحمساويون لمعاملة فظة بعد مغادرة قيادتهم، وجرى اغتيال المسؤول العسكري للحركة التي لم تشأ أن تلبي رغبات النظام بوجوب الجهر بالتأييد له، وفي المقابل ارتفعت أسهم "الجبهة الشعبية – القيادة العامة"، بزعامة أحمد جبريل، إذ أبدت انحيازاً كاملاً للنظام وتأييداً ناجزاً له. والواقع أن النموذج الذي وفره جبريل وعناصره هو ما يفهمه النظام بمناصرته ومؤازرته حتى لو اقتضى الأمر حمل السلاح ضد السوريين والفلسطينيين معاً، وقد برهنت الأحداث أخيراً أن المخيم لم يحتمل هذا النموذج، وما كان للنظام أن يعتمده أياً تكن مبرراته، ودلّت المساعي التي بذلت بعد القصف الجوي والنزوح الفلسطيني أن الوضع الخاص للمخيم ربما ساهم في إنقاذه من الدمار وبتسهيل عودة النازحين تباعاً.

لعل هذا النزوح وضع نقطة النهاية لقصة "الممانعة" التي تنكر النظام السوري بها لفترة طويلة جداً، ولم يكن يصدقها سوى أولئك المقيمين في مخيمات اللجوء، خصوصاً في سوريا، لأنهم محكومون بالتشبث بأي أمل، وهناك أيضاً من يرفدهم في المجتمع الفلسطيني، كما في بعض المجتمعات العربية، تحديداً في البيئات القومية وبعض اليسار، وقد شكل هؤلاء المصدقون لـ"الممانعة" فئة مساندة للنظام، ولم يلفتهم أن الشعب السوري نفسه لم يبد آخذا "الممانعة" في الاعتبار في موقفه من النظام وعنفه الدموي، تحرر السوريون من هذه الكذبة، ويبقى أن يتحرر الآخرون الذين يفاجئون محاوريهم بترديد روايات النظام عن "العصابات المسلحة الإرهابية"، أو بالقول إن سوريا تتعرض لمؤامرة وأن النظام وحده يستطيع إحباطها، وصولاً حتى إلى القول إن ما حصل أيضاً في تونس ومصر وليبيا واليمن هو من نسيج هذه المؤامرة.

للأسف، كان يجب أن يبلغ النزاع السوري مخيم اليرموك لينهار هذا الوهم، رغم أن الفلسطينيين هناك لم يرتكبوا أي خطأ في النأي بالنفس عن القتال الدائر، ولو أخذت الأمور بطبائعها ومنطقها السوّي لأمكن تخيلهم في صفوف الشعب الثائر، لكن تحييدهم أنفسهم كان الموقف السليم الذي وإن تفهمه هذا الطرف وذاك، إلا أن احتدام المعركة وبلوغها نهاياتها يحولان دون ترجمة هذا التفهم على أرض الواقع، وينبغي الاعتراف بأن الوضع الذي وجد الفلسطينيون فيه أوقعهم في اختبار صعب، وقد يغدو أكثر صعوبة في المرحلة المقبلة إذا انفتح سقوط النظام على مرحلة فوضى عارمة واقتتال أهلي، كان محزناً التعرف إلى بعض حالات النازحين إلى لبنان، إذ قال بعضهم إنه يحمل مفتاحين، واحد لبيته الذي استولى عليه الإسرائيليون وآخر لبيته الذي تركه وراءه في مخيم اليرموك، والأكثر مضاضة أن بعض الأصوات في لبنان لم يكن مرحباً بل استعاد النعرات العنصرية التي استشرت خلال الحرب الأهلية اللبنانية، مع فارق أن هذه الأصوات تغيرت وجاء كلامها انطلاقاً من تبعيتها للنظام السوري وكأن الفلسطينيين هم الذين سعوا إلى هذا النزوح.

يؤمل رغم كل شيء بأن تفلح المساعي لإعادة النازحين إلى مساكنهم، وألا تكون التفاهمات على مخيم اليرموك مشابهة لتلك التي تمت سابقاً في الزبداني ومناطق أخرى حين تنسحب قوات النظام وفقاً لاتفاق موضعي ثم تعود فتجدد هجماتها، خصوصاً أن موقع المخيم مهم للطرفين في صراعهما على قطع منطقة مطار دمشق عن التجمعات الأخرى لقوات النظام، لذلك لا يبدي النازحون استعجالاً للعودة قبل أن تنجلي الأوضاع، ولا شك أن النظام يحاول رصد ما يمكن أن يستفيده من نزوحهم الذي يعني بالنسبة إليه إزكاء لتداخل أزمته مع المحيط الإقليمي، لكن مثل هذه الحسابات البائسة لم تعد لتفيده شيئاً طالما أنه يخسر في الداخل، ولم يعد يقاتل لاستعادة سيطرته وإنما لتأكيد نيته بتدمير المدن، كان بإمكانه أن يكون مبادراً لرعاية خصوصية الفلسطينيين ومخيماتهم طالما أنهم منضبطون، ولو فعل لكانت المعارضة التزمت ذلك أيضاً، أما اللجوء إلى "جماعة جبريل"، فكان إشارة عبثية أسقطت قناعاً آخر من أقنعة النظام.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"