بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 10-12-2012 الساعة 12:00 ص

توتر عراقي – كردي على خلفية سورية

عبد الوهاب بدرخان

يعيش العراق على وقع الأزمة السورية، ويفضل الوسط السياسي أن يقصر الأزمة الداخلية على الملفات العالقة، وهي كثيرة، لكن الجميع يعلم أن المسلسل الذي بدأ غداة الانسحاب الأمريكي أواخر العام الماضي ما لبث أن وجد معادلات استطاع رئيس الوزراء نوري المالكي أن يستخدمها لإبقاء الأوضاع على حالها، أي لإبقاء كل الخيوط وكل السلطات في يده وحده، غير أن الاستقطاب على خلفية ما يحصل في سوريا لامس الأزمة الداخلية وصار يؤثر في أداء اللاعبين فيها.

لم يكن هناك أي تطور جوهري جديد يوجب على الحكومة المركزية في بغداد والحكومة الكردية في أربيل الذهاب إلى شفير مواجهة عسكرية، فمن المعروف أن هناك أربع محافظات (نينوى، أربيل، كركوك، وديالى) فيها مناطق صنفها الدستور بأنها "متنازع عليها"، كما أن هناك لجنة لتنفيذ المادة 140، المتعلقة بهذه المناطق ويفترض أن تقوم بعملها، إلا أنها لم تحرز أي تقدم منذ 2005 حتى الآن، رغم رفدها بخبرات مساعدة من الأمم المتحدة، ثم أن هناك "تفاهمات" تعود إلى عامي 2009 و2010 وتنظم العلاقة الانتقالية بين الحكومتين خلال الفترة السابقة لحل النزاع في تلك المناطق، ومن تدابيرها الأمنية تسيير دوريات مشتركة فيها.

من هنا أن حادث طوزخورماتو، قبل أسبوعين، إثر مطاردة القوات العراقية لأحد المهربين وفراره إلى الجانب الكردي، كان بالإمكان أن يعالج في إطار تلك "التفاهمات" التي تحتم التوصل إليها بعد حوادث مشابهة ومنعاً للاحتكاك بين القوات العراقية وقوات "البشمركة" الكردية، إذن، ما الذي دعا حكومة بغداد أو بالأحرى رئيسها تحديدا، إلى إنشاء "قوة عمليات دجلة" وإعطائها صلاحيات التدخل حيث تدعو الحاجة؟

طبعاً، هناك الدافع الأمني البحت، وكذلك الدافع "السيادي"، إذ أن احتكاكات في مناسبات عدة سابقة خلفت غضباً وإحباطاً في صفوف القوات العراقية، غير أن العرف جرى على حل مثل هذه الإشكالات ثنائياً ولا يتيح الإجراءات الأحادية الجانب. صحيح أن "الانتهاكات" تعددت من الجانبين على مر الأعوام الماضية، وأن الأمريكيين كانوا يتدخلون لمنع التوتر، إلا أن انسحاب هؤلاء ترك للطرفين هذه المهمة.

لكن العلاقة بين بغداد وأربيل شهدت طوال هذه السنة انهيارات متتالية،ويمكن رصد مراحلها باستعراض عاجل كالآتي:

1- موافقة حكومة إقليم كردستان على استقبال نائب الرئيس طارق الهاشمي بعد اتهامه بالتورط في "أعمال إرهابية" وردّه بأن الأمر لا يعدو كونه "مكيدة سياسية" رتبها المالكي للتخلص منه.

2- قضية الهاشمي فتحت أزمة تفرد المالكي بالسلطات كافة، وتحولت أربيل عاصمة للمعارضة حيث جرى التنسيق بين رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني وزعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر ورئيس قائمة "العراقية" إياد علاوي لطرح مطالب محددة لحل هذه الأزمة، وإلا فإن الأطراف الثلاثة ستطرح إطاحة المالكي بتصويت في البرلمان.

3- انتقادات بارزاني للمالكي بلغت حداً أقصى من الشدة، وترافقت بدعوة الزعيم الكردي الولايات المتحدة إلى عدم الموافقة على بيع طائرات حربية من طراز "إف 16" لحكومة بغداد مشككاً بطرق استخدامها.

4- خلال الشهور الماضية توالت الإشكالات: تعاقد أربيل مع شركات عالمية للتنقيب عن النفط من دون التنسيق مع بغداد، تصدير النفط الكردي ومرجعية مداخيله، حصة إقليم كردستان من الموازنة العامة وعدم تناسبها مع معايير تحديد حصص المناطق الأخرى، فضلاً عن المشكلة التي طرحت باكراً وهي تتعلق بتمويل "البشمركة" باعتباره جيشاً ثانيا تموله بغداد إلا أنه لا ينسق معها ويرفض أي تدخل في شؤونه.

استطاع المالكي أن يفكك الحملة الموجهة لإطاحته. فمن جهته أمكن ضبط اندفاع مقتدى الصدر بتدخل إيراني، ومن جهة أخرى أمكن له أن يشق صفوف السنّة عبر صفقات سياسية فردية، وبقيت أمامه العقدة الكردية، لذا زار فجأة كركوك من قبيل الاستفزاز، لكن أيضاً من قبيل مخاطبة السنة بأنه حامي وحدة العراق. في المقابل زادت أربيل تقاربها مع تركيا، بل استقبلت مسؤولين كباراً من أنقرة، بينهم وزير الخارجية الذي زار أيضاً كركوك، مما أثار احتجاجاً رسمياً من بغداد، يضاف إلى ذلك أن موقفي الحكومتين كانا متقاربين حيال الأزمة السورية، ثم افترقا عملياً، فمع تزايد المعلومات عن مساعدة بغداد للنظام السوري بالتفاهم مع طهران، وطلب واشنطن من السلطات العراقية منع مرور شحنات السلاح الإيرانية إلى دمشق وتفتيش الطائرات الإيرانية المشكوك بها، استضافت أربيل لقاء لأكراد سوريا بغية تنسيق دورهم في الثورة، وينسب إلى إقليم كردستان أنه أشرف على تسليح أكراد سوريا وتدريبهم.

أواخر أكتوبر الماضي حاولت وحدات من الجيش العراقي اجتياز منطقة "متنازع عليها" للوصول إلى الحدود مع سوريا بهدف تأمين هذه الحدود، لكن القوات الكردية لم تسمح بمرورها بحجة أن الحدود لا تحتاج إلى تعزيزات، ومخافة أن يكون الهدف الفعلي تشكيل ضغط على الأكراد، ومن الأسباب التي ذكرت أيضاً أن بغداد أرادت فتح خط عسكري دائم لدعم قوات النظام السوري، لذلك قرأ الأكراد تصعيد المالكي عبر "قوة عمليات دجلة" بأنه متعمد للرد على توافقهم مع تركيا وعلى وضوح موقفهم ضد نظام دمشق.

والمؤكد أن الأكراد يعملون في العراق كما في سوريا لمصلحة الأكراد، ومن الطبيعي أن سقوط نظام بشار الأسد يخدم تلك المصلحة في حين أن بغداد المالكي ربطت موقفها بمحور طهران ولا تبدي أي ارتياح لتغيير الحكم في سوريا يمكن أن يأتي بنظام متعاطف مع سنّة العراق.

في أي حال، تتعامل الدول المجاورة لسوريا بقلق مع تداعيات أزمتها وتتفاوت هذه التداعيات من لبنان إلى تركيا والعراق والأردن، وإذ تبقى الساحة الأكثر هشاشة في لبنان، فإن السياسة التي اتبعتها الحكومة العراقية أدت حتى الآن إلى ضمان عدم استخدام العراق ضد النظام إلا أن الدور الكردي شكل اختراقا لهذه السياسة، ولذلك تسبب بالتوتر الحالي، لكن التدخلات الخارجية، لا سيما الأمريكية وحتى الإيرانية حالت حتى الآن دون انفجار الوضع.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"