بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 03-12-2012 الساعة 12:00 ص

إنجاز فلسطيني يتدعم بالمصالحة

عبد الوهاب بدرخان

ماذا يعني أن ترفض الولايات المتحدة، شكلاً وموضوعاً، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة قبول فلسطين "دولة غير عضو"؟ وهل أن هذه الجمعية انتهكت القوانين الدولية لتجد الدولة العظمى ضرورة للتصدي لها؟ وما هو الدافع النفسي – الشخصي الذي يجعل المندوبة الأمريكية سوزان رايس تحتقر طموحات شعب وقع عليه ظلم تاريخي فتخاطبه بأن "كبسة زر" لن تصنع له "دولة"؟ ولماذا الإصرار الأمريكي – البريطاني على أن تكون ولادة "دولة فلسطين" بقرار إسرائيلي، أو حتى بـ"اتفاق" بين الطرفين، مايعني مسبقاً أن هذه الدولة لن تكون يوماً مستقلة بل محكوماً عليها أن تبقى مرتبطة بدولة الاحتلال؟ ولماذا يشترط على فلسطين ألا تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وألا تفكر في اللجوء إليها لمقاضاة إسرائيل أو أي مسؤول فيها يرتكب جرائم، فيما يعتبر أي قرار إسرائيلي باغتيال أي فلسطيني حتى لو كان زعيماً قراراً متمتعاً بالشرعية وتتدافع الدول الغربية لتبريره؟

أسئلة كثيرة تزاحمت في تلك اللحظة الأممية، حين كانت الأسرة الدولية تحاول إثبات أن العدالة لم تمت تماماً بعد، حتى لو كان تجسيدها يحتاج إلى مزيد من الإرادة، لاشك أن سوزان رايس كانت تعبر عن موقف الولايات المتحدة، الذي لا يجهله أحد، لكنها زادت شيئاً من الانفعال واللؤم إلى حد أن أوساط الوفود في أروقة الأمم المتحدة راحت تلهج بالقول إنها كانت تحاول تعزيز حظوظها لخلافة هيلاري كلينتون في الخارجية، دافعت رايس عن سياسة رئيسها باراك أوباما التي فشلت فشلاً ذريعاً في الملف الفلسطيني، الذي لا يزال الأهم والأخطر، بل لا يزال محكاً رئيسياً لتقويم أمريكا وصورتها عند الشعوب العربية والإسلامية وسائر الشعوب المحبة للسلام.

أي سياسة هذه اتبعها أوباما، وهي لم تقم أساساً إلا على الضغط على الطرف الأضعف، وترهيبه لإجباره على العودة إلى مفاوضات معروف سلفاً أنها مجحفة وخاضعة للاحتيالات الإسرائيلية – الأمريكية، وأي معنى لقول أوباما وسائر مساعديه وناطقيه أن الاستيطان "غير مقبول" والتوسع به "مرفوض" و"غير شرعي" ومع ذلك تمارس كل الضغوط على الفلسطينيين للقبول به والمساهمة في إعطائه مشروعية فقط من أجل استئناف مفاوضات لا نهائية، و"من دون شروط مسبقة"، حتى أن القول بـ"إزالة الاحتلال" صار يعتبر من الشروط المسبقة غير المقبولة، ومعلوم أن مبعوثين أمريكيين لم يترددوا في تهديد الرئيس الفلسطيني في أمنه الشخصي، وفي المساعدات التي تعول عليها السلطة لتتمكن من الاستمرار.

لاشك أن قرار الجمعية العامة انطوى على رسالة بالغة الأهمية، وهي تلك التي رغب الفلسطينيون في إطلاقها إلى العالم، ومفادها أن المفاوضات باتت مصيدة لسلب الشعب الفلسطيني مزيداً من الأرض والحقوق التاريخية والمستقبلية.

أما الرسالة الأخرى فهي أن الرعاية الدولية للمفاوضات ليست نزيهة ولا حيادية بل تسعى إلى تثبيت الاحتلال.

إذ لم ينس أحد أن عشرين عاماً مضت على هذه المفاوضات، وأن الحكومات الإسرائيلية المتتابعة تناوبت على تضليلها وإغراقها بالمساومات، وبالتالي فإن الأدوار الملتبسة التي تلعبها "الرباعية" الدولية على هامش التواطؤ الأمريكي – الإسرائيلي لم تعد صالحة لإدارة الملف، وتبقى رسالة ثالثة استشعرتها الإدارة الأمريكية، وهي أن قرار الجمعية العامة يلح عليها لإجراء مراجعة عميقة للمقاربة التي تبنتها لـ"سلام الشرق الأوسط"، إذ باتت متيقنة أن سياسة أخرى تختبئ وراء استجابة تحولات "الربيع العربي" لن تستقيم أخلاقياً ومعنوياً ما دام تشريع الظلم هو السائد بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني.

فكيف يمكن تصديق واشنطن ولندن وبرلين حين تنبري للدفاع عن "حقوق الإنسان" المصري أو الليبي أو اليمني أو السوري، فيما تحاك أقذر المناورات لإبقاء حقوق الفلسطيني منتهكة ومحتقرة.

ثمة وضع قانوني جديد اكتسبته القضية الفلسطينية، فبأي ذريعة وأي حق وأي مسوغ ستتصرف الولايات المتحدة وإسرائيل كأنه لم يكن، ففي مواجهة الرسائل التي بعثت بها مائة وثمان وثلاثون دولة، اختارت واشنطن أن تقول ببساطة أن القانون الدولي والإرادة الدولية مجرد هراء لا قيمة له. حسن، هذا يعني أن الإرادة الأمريكية وحدها ما يمكن أن يصنع الفارق، لكن أين هذه الإرادة، فلا وجود لها، أو هي معطلة، وبالتالي فهي أيضاً لا قيمة لها إذا لم تكن فاعلة ونافذة من أجل إحقاق الحق، لذلك لم يقرر الفلسطينيون اللجوء إلى الأمم المتحدة إلا عندما تيقنوا بأن الدور الأمريكي استنفد نفسه وأصبح مساهماً في الجمود القاتل.

كان إنجازاً رمزياً للفلسطينيين، وسيحرص الأمريكيون والإسرائيليون على "تدفيعهم" ثمنه باهظاً، لكن ما أضفى على رمزيته بعداً ديناميكياً إعلان "حماس" أنها تساند السلطة في مسعاها الدولي، وكان ذلك مؤشراً غير مسبوق إلى إرهاصات مصالحة فلسطينية أصبحت الآن أكثر إلحاحاً لمواجهة الصعوبات الآتية، فالعدو الإسرائيلي سينتقم من السلطة ومن عموم الشعب، لأنه يرفض أن يتمتع الفلسطينيون بورقة دولية يستقوون بها عليه، لذلك يمكن توقع كل أنواع الإجرام من جانبه، غير أن الأهم أن الصحيح يجب أن يصح، وهو طبعاً إعادة القضية الفلسطينية إلى بوتقة المشروع الوطني.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"