بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 26-11-2012 الساعة 12:00 ص

مغامرات إسرائيل عبء على أمريكا

عبد الوهاب بدرخان

قبل وقف إطلاق النار وبعده في غزة، دخلت الدوائر السياسية، وكذلك وسائل الإعلام الإسرائيلية، في عملية معقدة لتحديد من كسب ومن خسر في المواجهة، طبعاً، سجلت جميعا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يتلفظ بكلمة "نصر" أو "انتصار"،  في تصريحاته بعد إعلان التهدئة الجديدة، في حين أن رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، خالد مشعل كان واضحاً: انتصرنا، وانهزمت إسرائيل.

كان ملاحظاً أن الحسابات الدقيقة، المجدولة، توصلت إلى أن كل طرف حقق إنجازات أو مكاسب، لكنها المرة الأولى التي تضطر فيها المصادر الإسرائيلية إلى الخروج من ميزان القوى العسكرية كمعيار وحيد لتقويم النتائج، ذاك أن عناصر أخرى دخلت على الخط وجعلت الإسرائيلي القوي يهزم رغم قوته، والفلسطيني الضعيف ينتصر رغم ضعفه، فمعادلة "الهدوء مقابل الهدوء"، لا تناسب غطرسة القوة الإسرائيلية، لكنها بالنسبة إلى الجانب الفلسطيني تبدو إيجابية لأن العدو هو من طلب التهدئة ووافق على شروطها على مضض حتى لو لم يكن مستعداً لالتزامها.

المعادلة الأخرى، البشعة والمؤسفة، هي أن الإسرائيلي يستند إلى الفائض الهائل للقوة للحصول على "شرعية"، دولية لجرائمه، في حين أن الفلسطيني يعرف مسبقاً أنه مضطر للتضحية بالعديد من الأرواح البشرية للحصول على شيء من التعاطف الدولي، في حرب 2008-2009 ظلت المواجهة قائمة حتى اللحظة الأخيرة بين تلك "الشرعية" الغاشمة وبين ذلك التعاطف العاجز، هذه المرة تغيرت عناوين المواجهة، فالإسرائيلي حصل في البداية على تأييد لـ"دفاعه عن نفسه"، وتصور أنه يستطيع المضي إلى الخطوة التالية واجتياح قطاع غزة، إلا أنه فوجئ بأنه لا يملك مثل هذا "التفويض"، من حلفائه وأصدقائه.

فهم حلفاء إسرائيل وأصدقاؤها هؤلاء أن تغييرا حصل في البيئة الإقليمية، أما بنيامين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان وأيهود باراك وسائر أفراد العصابة فلا يريدون أن يفهموا. كما لم تفهم عصابات أخرى سبقتهم إلى السلطة في إسرائيل ماذا عني إقرار العرب قبل نحو عشرين عاماً بأنهم يختارون "عملية السلام" ثم أكدوا في قمة عمان عام 2001، أن السلام هو "خيارهم الاستراتيجي" ومع ذلك دأب الإسرائيليون ولا يزالون على التصرف على أساس أن الحرب المستمرة هي خيارهم الاستراتيجي، أما التغيير الإقليمي فظهرت معالمه أولاً بالموقف التركي الثابت منذ 2009، ثم في اللهجة الجديدة التي اعتمدتها مصر متخلية عن نهج العهد السابق، ثم في التناغم المصري – التركي – القطري الذي بات يتبلور كمحور جديد لإدارة شؤون المنطقة خلال تحولاتها الراهنة.

اعتبر محللان إسرائيليان في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن إسرائيل حققت إنجازات أهمها نجاح منظومة "القبة الحديد" في اعتراض أكثر من 85 في المائة من الصواريخ الفلسطينية، وكذلك اغتيال قائد "كتائب القسام" أحمد الجعبري وأيضا تدمير أكثر من 1400 هدف، كان واضحا الهدف التجاري بالتسويق لفاعلية منظومة "القبة الحديد"، لكن الأكثر وضوحاً هو الهلع الذي أحدثه وصول الصواريخ إلى تل أبيب، إذ أنه شكل الدافع الرئيسي لإلحاح حكومة نتنياهو على إنجاز هدنة في أسرع وقت لئلاً تضطر مع استمرار سقوط الصواريخ في "غوش دان" ومنطقة القدس للذهاب إلى هجوم بري حتى لو لم تكن هناك تغطية أمريكية له. أما استشهاد الجعبري، وهو خسارة كبيرة لـ"حماس"، فلم يؤد إلى انهيار في صفوف الحركة، كما توقعت إسرائيل، بل واصلت القيام بعملها بثبات لافت، ويبقى أن "الأهداف"، التي دمرت فعلا أنها شحذت الاشمئزاز العالمي من إسرائيل، فإن الإسرائيليين يعرفون قبل سواهم أن هذا الدمار لا يغير شيئاً في معادلة القوة مقابل الإرادة.

بالانتقال إلى حساب مكاسب الاتفاق على التهدئة، وطالما أن التفاهمات التفصيلية لم تعلن، فإن الإسرائيليين استسهلوا وضع التمنيات في ما يفترض أنه معلومات، كأن يقولوا مثلاً إن إسرائيل أرغمت مصر على العودة إلى التوسط بينها وبين "حماس"، أو أن يقولوا إن "حماس" تعهدت الامتناع ومنع سائر الفصائل من القيام بأي عمليات، إلا أن النقطة التي حرص الإسرائيليون على إبقائها غامضة تتعلق تحديداً بتعهد حكومة نتنياهو عدم القيام باغتيالات، وقد انقسم المحللون بين من لا يعتبره تنازلاً لأن "التهدئة" تستبعد الحاجة إلى التصفيات وبين من يراه عنصرا غير مسبوق في التعهدات الإسرائيلية، خصوصاً أن الولايات المتحدة ضمنت مثل هذا التنازل لتشجع مصر على المشاركة في قبول التهدئة وضمانها.

لكن أبرز الخسائر الإسرائيلية تبقى سياسية، إذ أن مجىء هيلاري كلينتون رمى إلى وضع النقاط على الحروف أمام نتنياهو وعصابته، فليس هذا هو الوقت المناسب لإفساد العلاقات الأمريكية مع مصر وتركيا، بالنظر إلى الاستحقاقات المنتظرة مع سوريا وإيران، فضلاً عن العلاقات مع دول الخليج، وحتى بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية وتصميمها على التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على صفة "الدولة غير العضو"، فإن واشنطن لا ترى أن هذه الخطوة يجب أن تقابل بإجراءات عقابية بل بمساع للتخفيف من أضرارها على إسرائيل، إلا إذا كانت هذه الأخيرة ترى مصلحة في دفع السلطة الفلسطينية إلى الانهيار، وإذا كانت ترى مثل هذه المصلحة فما هو البديل الذي تتصوره، وهل هي مستعدة للدخول في حوار مع "حماس"، وسواها، بمثل هذا المنطق كشفت كلينتون لنتنياهو ما كان أدركه قبل وصولها، وهو أن حكومته دخلت مغامرة من دون أن تحسب أو ترسم نهايتها.

وعلى أساس هذا المنطق استطاعت كلينتون أن ترجح إنجاز التهدئة بسرعة ومن دون الدخول في لعبة الشروط والشروط المضادة وليس مؤكداً أن هذه المصارحة الأمريكية للحليف الإسرائيلي ستدفعه إلى تعديل سياساته، لكنها وضعته على الأقل أمام ضرورة النظر إلى الوضع الإقليمي بشيء من الواقعية والاعتراف بالحقائق، وهذا في حد ذاته يبين لنتنياهو أن المرحلة المقبلة مع باراك أوباما لن تكون بالسهولة التي يتصورها، فهو شاء إحراج الرئيس الأمريكي وامتحانه، ولم يحصل على النتيجة التي توخاها، إذ لم يرفض منحه الضوء الأخضر لاجتياح غزة فحسب، بل ارتكز إلى المتغيرات الإقليمية ليفهمه أن سياسات التطرف الإسرائيلي باتت عبئاً على الولايات المتحدة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"