بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 12-11-2012 الساعة 12:00 ص

الأوبامية.. بعد الفوز التاريخي

عبد الوهاب بدرخان

من بين الدلالات الكثيرة لإعادة انتخاب باراك أوباما تبقى تلك الأكثر أهمية، وهي أن الناخب الأمريكي أدرك أن هناك تغييراً عميقاً استطاع الرئيس الأسود أن يحققه في مفهوم الزعامة الأمريكية وهو ما أشار إليه في خطابه بعد الفوز التاريخي بالنأي عن مسألة الحرب، "نزعة وعقدة" لطالما تحكمتا بالنظرة إلى أي رئيس، كان، بيل كلينتون حاول ذلك من دون أن يحدده كهدف علني، ومن دون أن يجعله معياراً للحكم عليه، ولم ينجح كلياً، وعندما خلفه جورج دبليو بوش كان واضحاً أنه لن يكمل هذا النهج لأنه ينتمي إلى المدرسة التقليدية التي تصنع "الرئيس المحارب"، وما لبثت هجمات 11 سبتمبر 2001 أن حسمت خياراته وقناعاته، فأحاط نفسه بزمرة اليمين المحافظ التي جعلت "الحرب على الإرهاب"، وريثة للحرب الباردة، وهذه الزمرة نفسها ظهرت في حملة ميت رومني ومنيت معه بالهزيمة.

هذا التغيير، الذي لم يترسخ بعد، وقد تسهم الولاية الثانية لأوباما في تأكيده، ليس مرتبطاً بنمط تفكيري فحسب، وإنما بعوامل وحقائق أبرزها أن الأزمة الاقتصادية كشفت ضرورة الاهتمام بالداخل الأمريكي بدرجة أكبر، ولم يكن الحديث عن مسائل التعليم والبنى التحتية والصحة وفرص العمل خلال الحملة الانتخابية سوى عينات مما يجب إيلاؤه رعاية مطلوبة منذ زمن، ثم أن الأزمة الاقتصادية لفتت إلى كلفة حروب بوش وفرضت إعادة تفكير في نهج "الزعامة" الذي بلغ في اعتناقه القوة حد التهور، خصوصاً أن تلك الحروب لم تحقق للولايات المتحدة الأهداف التي توختها بل أدت عملياً إلى إضعاف قيادتها للعالم، وأبرزت قوى أخرى مثل روسيا والصين اللتين تشكلان حالياً تحديات صعبة لأمريكا في ما يبدو أنه إعادة إنتاج للحرب الباردة.

سيكون على أوباما أن يثبت في السنوات الأربع المقبلة مؤدى هذا التغيير، بأن يحافظ على مكانة الولايات المتحدة من دون أن يضطر إلى تقديم تنازلات واضحة للروس والصينيين، فهؤلاء بدورهم لا يسعون إلى حروب ساخنة لابد أن تنعكس على اقتصاداتهم واستقرار أوضاعهم، إلا أنهم سيواصلون التحدي لإنزال أمريكا من علياء القوة العظمى الوحيدة التي تتصرف وكأنهم غير موجودين.

من  الطبيعي أن الصراع بين القوى الثلاث سيزداد، وربما كانت موسكو وبكين تفضلان فوز رومني لاعتقادهما أن سياسات اليمين الأمريكي أسهل استغلالاً من جانبهما، في حين أن السياسة الأوبامية المهادنة تخلق لهما تعقيدات يصعب التعامل معها، كما يظهر حالياً في الأزمتين السورية والإيرانية، إذ أن سلبيتهما فيما يخص سوريا أدت إلى تعطيل مجلس الأمن، بل إلى تعطيل كل الحلول سياسة كانت أو عسكرية، كما أن إيجابيتهما الشكلية في التعامل مع الأزمة الإيرانية لم تستطيع التغطية على اختراقهما نظام العقوبات رغم موافقتهما العلنية على التزامه.

 

بديهي أن أوباما يعود إلى البيت الأبيض أكثر قوة وأوسع تفويضاً من جانب الأمريكيين، وقد فهم أن العبرة في فوزه تتعلق بالداخل وليس بالخارج، ومع ذلك فإن هذا الفوز لا يعني، بل لا يتيح له، الانطلاق في سياسات انقلابية على ما انتهجه في ولايته الأولى، بالنسبة إلى الداخل يستطيع أن يستنتج أنه نال ثقة بالطريقة التي اختارها للتعامل جذرياً مع الأزمة الاقتصادية، إذ سعى إلى ضوابط تغير عقلية الأسواق المالية وتقاليدها، وتمكن من نيل تأييد قسم كبير من المؤسسات التي أيقنت أن معالجة سطحية عاجلة يمكن أن تنجح آنياً غير أنها ستمهد لأزمة أخرى قد تكون أكثر كارثية، صحيح أن انتقادات وجهت إلى أوباما بأنه استعاد بعض مفاهيم اليسار والاشتراكية، إلا أن هذه بقيت مآخذ سياسية وأيديولوجية، فالمحك الحقيقي كان في النتائج التي تحققت فعلاً وتلك المتوقعة في المرحلة المقبلة.

وهذا ما لعبت دوراً حاسماً في الخيار الانتخابي، لأن المرشح الجمهوري كان يريد إعادة معالجة الأزمة إلى منطلقات غير مضمونة.

والواقع أن نجاح المعالجة الأوبامية للأزمة يؤثر مباشرة على معظم الدول التي تعتبر حليفة تقليدياً للولايات المتحدة، فالأزمة بدأت في نيويورك ثم انتشرت، ولعل تفرق الحلفاء في معالجتها هو ما أدى إلى البلبلة المستمرة في أوروبا، وما أجل ويؤجل الانفراج المؤمل به.

أما بالنسبة إلى الخارج ونزعاته وأزماته؛ فإن المشكلة مع نهج أوباما هي أن الولايات المتحدة حافظت معه على احتكارها للحلول والمبادرات، وليس مؤكداً أنه يريد أن يغير هذا الواقع، رأينا أن نشاطاً كبيراً حصل في بداية ولايته الأولى على صعيد المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، ثم رأينا الجمود التام، بل الانصياع الخالص للإرادة الإسرائيلية، وقد انعكس ذلك على قدرات القوى الأخرى المعنية بما فيها الأمم المتحدة على التعاطي مع هذا الملف، وفي ما يخص الأزمة الإيرانية كان واضحاً أن أوباما لم يسع إلى خطوات حاسمة، حتى أنه واجه تحدياً غير مسبوق من جانب "حليفه" الإسرائيلي الذي راح يدفعه دفعاً للذهاب إلى الحرب، بل يرضخ أوباما، تحديداً لأن مؤسسته العسكرية لا تريد هذه الحرب، ولأن الحلفاء الأوروبيين لا يريدونها أيضاً، وإذا أراد أن يستعيد العمل العسكري فلابد له أن يتوصل إلى حل تفاوضي قد تكون إيران راغبة فيه الآن بسبب تفاقم تأثير العقوبات عليها، وايضاً لأن أوضاع حليفها السوري لم تعد تكسبها أي قوة بل باشرت إضعاف نفوذها.

لا شك أن أول استحقاقات السياسة الخارجية لأوباما في ولايته الثانية ستكون سوريا، وهي ستتحكم بمجمل الملفات الأخرى سواء ما يتعلق منها بإيجاد تفاهمات مع روسيا والصين، أو بمجريات التفاوض مع إيران، أو بقيود العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، لكن، مرة أخرى، لابد له من العودة إلى الملف الفلسطيني، لأنه يبقى أساسياً وجوهرياً إذا ما أراد أوباما أن يترك إرثاً طيباً في دبلوماسيته وبالأخص إذا ما أراد أن يصحح تعامله مع تحولات "الربيع العربي" التي باتت تشيع خيبة الأمل هنا وهناك.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"