بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 05-11-2012 الساعة 12:00 ص

"المجلس الوطني السوري" ومحاولات تجاوزه

عبد الوهاب بدرخان

لم تشذ الوزيرة هيلاري كلينتون عن النمط الأمريكي الجلف عندما نطقت أخيراً لتعلن ما بدا "إملاءات" على المعارضة السورية. لذلك أثارت ردود فعل انفعالية ورافضة، كما أعطت النظام السوري أسباباً لنقد المعارضة بأنها باتت تحت رحمة الولايات المتحدة، وهي فاجأت طبعاً الرأي العام العربي المتعاطف مع الثورة السورية، ذاك أن مجموعة "أصدقاء الشعب السوري"، كانت تنتظر ما بعد الانتخابات الأمريكية لتتعرف إلى الخيارات التي بلورتها الإدارة لمعالجة الأزمة السورية، ولا يمكن القول إن كلينتون قدمت تصوراً متكاملاً، بل أن كل ما فُهم منها يتمحور حول أمرين: الأول أن واشنطن تريد إطاراً جديداً معبراً عن المعارضة بما يعنيه ذلك من تجاوز لـ"المجلس الوطني" الذي سبق لـ"الأصدقاء" خلال مؤتمرهم في أنقرة أواخر أبريل الماضي أن توجوه ممثلا عن المعارضة، والثاني أن لدى واشنطن هواجس تتعلق باستشراء التطرف المسلح تحت شعار الثورة.

كان رد الرئيس الحالي للمجلس الوطني، عبدالباسط سيدا محقا في قوله أن تلكؤ الأسرة الدولية كان سبباً رئيسياً مباشراً في إذكاء التطرف، لأن إطالة الأزمة بدت متعمدة لمنح النظام كل الفرص التي احتاجها للتغول واكتساب مشروعية للعنف الدموي، وكل يوم يمر من دون البدء بالتعامل الجدي مع الأزمة يعطي التطرف والمتطرفين أرضية خصبة للتوسع وكسب مناصرين، وفي الوقت الذي أدت وحشية النظام إلى عسكرة الثورة، فإن استقدامه لمجموعات نشأت في كنف تنظيم القاعدة، واستخراجه مجموعات أخرى من السجناء الذين أخضعهم، بالتعذيب ثم دربهم للقيام بجرائم أديا أيضا إلى قدوم أعداد كبيرة من الشباب العرب وغير العرب الذين انضووا تحت لواء القتال إلى جانب الثوار.

وبالتالي صارت الساحة السورية مفتوحة لكل من يسعى إلى ممارسة جهاديته وفقاً لاجتهاده، مثلما صارت أزمتها موضع تجاذب دولي.

أما مسألة تجاوز المجلس الوطني فإن المجلس نفسه لا يجهلها، سواء لأن قادته سمعوا خلال اجتماعاتهم الدولية ملاحظات وانتقادات تشير إلى أن الدول الغربية عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، لديها مفاهيم حاكمة لن تقدم على دعم الثورة إلا إذا تحققت، أو لأن قادة المجلس لمسوا في بعض الأحيان أن هذه الدول تبحث عن صيغة لجمع أطياف معارضتي الداخل والخارج، واستنتجوا أن الهدف من هذه الصيغة الذهاب إلى "حوار مع النظام"، ولإحباط مثل هذا الحوار، الذي لم يعد مقبولاً ولا بأي ذريعة، رفض المجلس المشاركة في مؤتمر موسع دعت إليه الجامعة العربية في مايو الماضي، أيام كانت مهمة كوفي أنان لا تزال تداعب أحلام إطلاق حل سياسي، ولم يعد المجلس عن رفضه فشارك في اللقاء نفسه مطلع يوليو في القاهرة، إلا بعدما تلقى ضمانات كافية بأن الأمر يقتصر على اعداد وثائق تحظى بإجماع من المعارضة، ويمكن اعتبارها أساسا لعملها، وبالفعل أمكن التوصل إلى هذا الهدف، لكن منذ ذلك الوقت أصبح هناك مساران أولهما يمثله المجلس الوطني الذي راح يدرس وسائل توسيع قاعدته وعضويته، والثاني تمثله "لجنة المتابعة" لما اعتمده لقاء القاهرة.

في غضون ذلك حصلت انشقاقات في صفوف السياسيين والدبلوماسيين، وطرحت فكرة "الحكومة الانتقالية"، التي اعتبر "المجلس الوطني" أن تشكيلها مهمة تعود إليه وحده، لكن اتجاهين تنازعا تحليله لهذه الفكرة، أحدهما استشعر أن القوى الدولية تفض التعامل مع "حكومة" متصلة بالوضع الميداني، وبالتالي يستحسن الاعداد لها، أما الآخر فاعتبر أن حكومة غير قادرة على الوجود والعمل على الأرض ستكون محرقة للمجلس وسينعكس ذلك سلبا على الثورة أكثر مما يكون اضافة إيجابية إليها، لذا فضل المجلس أن ينجز أولاً توسيع عضويته لضم أكبر عدد من فصائل المعارضة في الداخل، ليكون بعد ذلك جاهزا للخيارات التالية، ومنها الحكومة إذا استمر الإلحاح الدولي عليها.

لكن "الحكومة" راحت تطبخ على مستويات أخرى إقليمية ودولية، إذ أن "أصدقاء الشعب السوري"، شعروا أيضا بضرورة توحيد رؤاهم لأن الدعم العشوائي وغير المنسق للمعارضة، خصوصا في الداخل، لم يثمر النتيجة المتوخاة، كما وجد الأصدقاء، أن المجالس العسكرية خلفت واقعا ينبغي تفعيله والاستناد إليه لضبط الأوضاع في حال السقوط المفاجئ للنظام، لكن الاعتماد على العسكر وحدهم ينطوي أيضاً على مخاطر يجب تلافيها مسبقا، ولأجل ذلك لابد من إيجاد جسم سياسي مواكب، وهو ما ارتؤى أن يكون حكومة انتقالية، وهكذا نضجت الفكرة في إطار الاتصالات بين القوة الدولية التي رأت أن تبادر إلى تبنيها مستندة إلى خلاصة أعمال "لجنة المتابعة" وهذه استندت بدورها إلى وثائق لقاء المعارضة وتوافقاتها في القاهرة.

بمعزل عن الطريقة الخاطئة التي تناولت بها كلينتون الخيارات المطروحة، يبقى هناك الارتياب الدائم من أن واشنطن لم تتخلَّ فعلياً عن فكرة محاورة النظام، وهذا ما لا يستطيع أي معارض حقيقي الاقدام عليه طالما أن النظام لم يوقف القتل ولم يفرج عن المعتقلين، والواقع أنه إذا كان هناك شيء واحد يوحد المعارضة فعلاً فلابد من رفض أي حوار مع النظام، وهذا وحده كافٍ كمنطلق للتعامل مع الأفكار كافة، ومنها "الحكومة" أو ما سمي "الإطار الجديد" للمعارضة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"