بقلم : عبد الوهاب بدرخان الإثنين 29-10-2012 الساعة 12:00 ص

قضايا العرب بين أوباما ورومني

عبد الوهاب بدرخان

يُنظر إلى الانتخابات الأمريكية باعتبارها أيضاً صراعاً على قيادة العالم، المرشح الجمهوري ميت رومني يعتقد بأن إحدى النقاط القوية في حملته على الرئيس الحالي باراك أوباما هي في إظهار قيادة الأخير بأنها "ضعيفة"، وإذا كان هناك رأي عام أمريكي يوافق رومني على هذا التقييم، فإن الرأي العام نفسه لم يجد في تمظهرات المرشح الجمهوري مشروعاً مقنعاً لـ"قيادة قوية".

أوباما يفضل، كما يقال، أن يشكل قيادة ذات مصداقية تستطيع أن تفعل ما تقوله، والواقع أن هذا الجدل يعكس حقيقة أن الولايات المتحدة تمر بأزمة اختلال القيادة ولا تزال تعاني من سوء إدارة جورج دبليو بوش لهذه القيادة، وقد خسر جون ماكين أمام أوباما لأنه اعتبر استمراراً لبوش، واليوم يقدم رومني على أنه عودة إلى البوشية المعتمدة على زمرة المحافظين الجدد.

ولعل الذين تابعوا المناظرة بين أوباما ورومني حول السياسة الخارجية لم يخرجوا بأي انطباع مطمئن إلى حال "القيادة الأمريكية" بل على العكس هناك ما يثير القلق والشكوك، كان بعض التحليلات ذهب إلى القول إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب القوة الذي يعكسه رومني، إلا أن الرجل نفسه لا يبدو على مستوى خطابه.

أما ما يبرر الحاجة إليه فهو أن أوباما يبدو ضعيفاً بالمقارنة مع فلاديمير بوتين العائد إلى رئاسة روسيا بأسلوب تغلب عليه الرغبة في تحدي الغرب، صحيح أن "القيصر" الروسي اختار البوابة  الخطأ – الأزمة السورية – لإثبات قيادته الدولية، إلا أنه نجح حتى الآن في استغلالها وفي الاستعداد للذهاب بها إلى أقصى حد، حتى لو اضطر إلى استعادة مناخات الحرب الباردة، ثم أنه طوّر أيضاً دوره كلاعب رئيسي في الأزمة الإيرانية مع الغرب، وفي الربط بين الأزمتين السورية والإيرانية.

وفي التعاطي مع هاتين الأزمتين وترابطهما وجدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون أنهم يفتقدون أوراقاً للمناورة، إذ أنهم ركزوا دائماً على "مصلحة إسرائيل"، كأولوية في الشرق الأوسط وفي سياساتهم إزاء العرب، وعندما تفجرت الأزمة السورية تبينوا أن مصلحة إسرائيل تلتقي أكثر مع مصلحة روسيا والصين وحتى إيران في تفضيلها بقاء النظام السوري وعدم اهتمامها بطموحات الشعب السوري، لكن إسرائيل التي ضمنت "مصلحتها"، في كل الأحوال، من خلال التدمير المنهجي الذي يتبعه النظام لاقتصاد سوريا وعمرانها وبنيتها التحتية، فإنها تلعب على الخطين، إذ تحبذ عمل روسيا وإيران على تأخير سقوط النظام مما يعطيه الوقت المديد الكافي لاستكمال التخريب، ثم أنها تبذل ما تستطيع لإبطاء الدعم الغربي للمعارضة بذرائع مختلفة منها خطر التطرف الإسلامي واحتمالات انزلاق الوضع السوري إلى الحالات التي شوهدت في العراق أو أفغانستان أو الصومال.

كان ملموساً في الغموض الأمريكي حيال الأزمة السورية أن ثمة فرامل إسرائيلية، رغم أن لا أحد في واشنطن أو في سواها من عواصم الغرب يعترف بوجود دور إسرائيلي مؤثر.

غير أن المناظرة الأخيرة بين أوباما ورومني سلطت الضوء على هذا الدور، فالمرشحان حرصا على القول إن مقاربتهما للشأن السوري تخضع لـ"التشاور"، و"التنسيق" مع حلفائنا في المنطقة، لاسيما إسرائيل تحديداً، وإن كان أوباما أضاف أيضا تركيا، ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن واشنطن أيضاً كان الرئيس في البيت الأبيض، لابد أن تعطي لإسرائيل حق النظر في الترتيبات المقبلة للتعاطي مع الأزمة، سواء أمكن بناء حل سياسي لها، أو إذا اقتضى الأمر معالجتها عسكريا، وطبعاً من دون إرسال جنود على الأرض.

واللافت أن المرشحين كانا متفقين على ثوابت عدة، أولها عدم الانخراط عسكرياً في الصراع داخل سوريا، وثانيها التدقيق في هوية من يقدم إليهم الدعم العسكري، وثالثها الحرص على أن الذين نساعدهم ليحلوا محل نظام الأسد لن ينقلبوا علينا وسيكونون على علاقة جيدة معنا ومع حلفائنا على المدى البعيد، قد يقال إن هذا الموقف غير مستغرب لأن سوريا محاذية لإسرائيل ولم تبرم معها أي معاهدة سلام، كما هي حال مصر، لكن إطالة الأزمة وتفاقمها الداخلي حوّلا طبيعتها من ثورة شعبية على النظام إلى صراع مسلح بينه وبين مناوئيه، وبالتالي فإن الحل المتوقع بات خارجياً ولابد أن تلعب فيه مصالح المتدخلين الدور الأبرز، ومن الواضح أن روسيا تراعي أيضا مصلحة إسرائيل باعتبار أنها تنظر إلى الحل في سوريا كخلاصة لتفاهم جميع أصحاب المصالح المباشرة في هذا البلد.

أما الحلقة المفقودة في الموقف الغربي، تحديداً الأمريكي، فتكمن في العجز الذي لا يزال يظهره إزاء حل القضية الفلسطينية رغم أن الولايات المتحدة هي التي طرحت ما يسمى بـ"عملية السلام" ثم تخلت عنها، وقد أدى الفشل في هذا الملف إلى خلل أساسي في سياسات الغرب، سواء بالنسبة إلى الأزمة مع إيران، أو إلى التعامل مع التحولات التي فرضها "الربيع العربي"، ولعل أخطر ما عكسته مناظرة أوباما – رومني أنها لم تعد تعتبر الملف الفلسطيني ذا أولوية وإنما أغرق في عنوان كبير هو "الشرق الأوسط والخطر المتجدد للإرهاب"، وفي ذلك ما فيه من أخطاء فادحة سياسية واستراتيجية.

قصارى القول إن النظرة إلى العرب، على مستوى "القيادة"، في الولايات المتحدة وكما أمكن تلمسها في خطابي أوباما ورومني، لم ترق أبداً إلى اعتبارهم حلفاء ولا شركاء وإنما مجرد شعوب معطوبة ينبغي التدخل في مصائرها بالتشاور والتنسيق مع حلفاء أمريكا وشركائها المعتمدين، فحتى أوباما الذي قال إنه غير نادم على مطالبة حسني مبارك بالتنحي استخلص من التعامل مع الحكم الجديد في مصر أنه سيبقى على المحك في احترامه أمن إسرائيل.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"