بقلم : عبد الوهاب بدرخان الأحد 14-10-2012 الساعة 12:00 ص

أوباما أفضل .. أم رومني؟

عبد الوهاب بدرخان

انتعشت حظوظ ميت رومني على حساب باراك أوباما الذي كان محلقاً في استطلاعات الرأي. هل هي الإطلالة التليفزيونية، فضلاً عن أدائه الهجومي خلال المناظرة الأولى بين المرشحين، ما ضيّق الفارق بينهما، أم أنها السياسات والقدرة على الإقناع، أم أن مستشاري الرئيس المرشح لم يقدموا النصائح المناسبة؟ إذا لم يصحح أوباما وضعه في المناظرة الثانية، فهذا يعني أن قابليته للفوز ستكون مهددة فعلاً، مخالفاً التوقعات التي سادت طوال الشهور الماضية.

الأغرب أن رومني الذي لا يزال الإعلام الأمريكي يتحدث عن شخصيته الباهتة وسطحيته وكاريزميته المتوسطة استطاع أن يبرز في المقارعة الثنائية أمام رئيس لا يزال في البيت الأبيض غارقاً في الملفات. تذكر الجميع المناظرة الأولى من نوعها التي شهدتها الولايات المتحدة عام 1961م، بين جون كنيدي وريتشارد نيكسون، وكيف أن الأول تقدم فيها على أساس الشكل رغم أن الثاني كان متفوقاً في المضمون. ولقائل أن يقول إن هذا حصل مطلع ستينيات القرن الماضي، وأن الوعي والثقافة تطورا، لكن يبدو بحسب المحللين أن مقاربة الناخب للمرشح لم تتغير كثيراً، أي أنه لا يزال يميل إلى الحكم على المظهر والإعجاب بمن يمكنه التكلم كما لو أنه يلاكم.

قليلة هي الملاحظات التي تجرأت على استكشاف شيء من العنصرية بين الأبيض والأسود في تقييم المبارزة الكلامية بين أوباما ورومني. صحيح أن المرشح الأسود كان تفوّق عام 2008 على المرشح الأبيض جون ماكين، المتمتع دائماً بتعاطف من الرأي العام، إلا أن المزاج كان مختلفا آنذاك غداة الزلزال الذي أحدثته الأزمة المالية، وهيمنة نظرة عامة مفادها أن ماكين هو استمرار لجورج دبليو بوش أو المزيد منه، ولم يكن الناخبون مستعدين لخيار كهذا، لذلك أقبلت كتلة كبيرة من المصوتين البيض، من مؤيدي الحزب الجمهوري ومن المترددين، على "الأمل" الذي مثله المرشح الديمقراطي وساهموا في رفع أول أمريكي أسود إلى سدة الرئاسة، ليس واضحاً هذه المرة إذا كانوا سيبقون إلى جانبه أم يميلون إلى تجريب منافسه، حتى لو لم يكن مقنعاً.

كان جون ماكين دفع ثمن "انتصارات" بوش التي تحولت إلى إخفاقات في الخارج، لكن هزيمته كانت شبه معلنة بسبب الكارثة المالية التي جاءت في ختام الولايتين البوشيتين. ويبدو أن هذه اللعنة الأخيرة هي التي طاردت أوباما طوال ولايته، إذ أن رومني ركز طعناته على فشل خصمه في الخروج من الأزمة الاقتصادية رغم أن اشد المحللين الاقتصاديين انتقاداً للإدارة الحالية لا ينكرون أنها أرست قواعد وضوابط لإدارة أداء السوق مستقبلا لتجنب أي انزلاق مفاجئ إلى الكارثة، وكان موضع استغراب المراقبين أن رومني اعتبر أوباما مسؤولاً عن الأزمة، وأن أوباما لم يشأ تذكيره بأنها تفجرت قبل انتخابه، وقيل إن الرئيس الحالي استبعد تلك الحجة، تحديداً لأنه يعتبر نفسه مسؤولاً طالما أنه الرئيس. كان ذلك موقفا "أخلاقياً". والأخلاق تخسر في مثل هذا النوع من المبارزات، كما كتب أحد المعلقين.

كان بين الأهداف التي جذبت الناخبين إلى أوباما، قبل أربعة أعوام، انه وعد بصراحة ووضوح بالانسحاب من العراق، والتمهيد للانسحاب من أفغانستان، ولا يزال المجتمع مؤيداً عموماً لهذين الاستحقاقين، وقد أنجز أولهما في العراق، فيما حددت خريطة الطريق للآخر في أفغانستان، أكثر ما ينظر إليه الجمهور في هذين التدخلين هو الكلفة الباهظة التي ترتبت عليهما، وأصبحت بين أشياء أخرى من عناصر الأزمة الاقتصادية، طبعاً، بالإضافة إلى الكلفة البشرية التي لم يتفهم عموم الأمريكيين ضرورتها، لكن المفارقة أن الانسحابين ارتدا عمليا على أوباما، ذاك انه لم يكن قادرا على إهداء أمريكا انسحاباً بمثابة "انتصار" في العراق، وحتى لو فاز رومني وحان الانسحاب من أفغانستان فإنه لن يستطيع تقديمه على أنه انتصار، غير أن هذه الازدواجية في أحكام الرأي العام تعزى إلى ثقافة مزمنة تأسست على مكانة الدولة العظمى وتفوقها الدائم.

وإذا كانت مغادرة العراق، ثم أفغانستان، خطوة ضرورية ومنطقية إلا أنها مهدت لما أصبح يعرف حالياً بـ"مبدأ أوباما"، الذي يقوم على "عدم التدخل"، وكان يمكن لهذا المبدأ أن يصبح إنجازاً عظيماً لرئيس عظيم لولا أن الولايات المتحدة تملك سجلاً طويلاً من التدخلات التي لا يمكن محوها إلا بمعالجة أسبابها وبالأخص نتائجها، ولأنها كذلك، فإن "عدم التدخل"، ما لبث أن أصبح مرادفاً للعجز السياسي، وليس العسكري بطبيعة الحال لذا يركز رومني حاليا على ما كان سلفه ماكين وصف به منافسه أوباما، إذ قال إنه سيسيء إلى مكانة أمريكا لأنه "ضعيف" وقد استعيد هذا الوصف مراراً وكلما كان على أوباما أن يتخذ قراراً يتعلق بعمليات عسكرية، رغم أن جنرالات البنتاغون لم يشكوا من تخاذله بل من إلحاحه على معرفة التفاصيل ومناقشتها.

في المناظرة المقبلة ستكون السياسة الخارجية موضع جدل بين المرشحين، ويستعد رومني لما يعتبره موضوعه الأسهل رغم أن عارفيه يصنفونه جاهلاً ولا يملك أي رؤية عالمية بل رجل شعارات أهمها أنه يسعى إلى استعادة الزعامة لأمريكا، ولعل مقتل السفير الأمريكي في بنغازي، والتحدي الذي تشهره إيران وروسيا في المسألة السورية، والخلاف بين أوباما وبنيامين نتنياهو، وتعاظم الهيمنة الاقتصادية للصين، تمده بالذخيرة الكافية لانتهاك أوباما حتى لو لم يكن المرشح الجمهوري صائباً في مآخذه أو قادراً واقعياً على فعل ما هو أقوى وأفضل، فها هو رومني يطلق تصريحات نارية عن ردع إيران، إلا أنه يسارع إلى التصحيح بأن الحرب ضدها لا تزال بعيدة.

الأكيد أن أوباما رئيساً لم يكن على قدر التوقعات العربية، بل كان مخيباً للآمال، خصوصاً بتقهقره أمام إسرائيل، لكن رومني رئيسا فهو أوضح مسبقا صهيونيته الفظة وكيف انه سيستعيد المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض، قد يقول العرب إن هذه الولاية الثانية لأوباما وأنه سيكون خلالها متحرراً من قيود إعادة انتخابه، لكن هذه أسطورة ستوضع في الاختبار، وقد تكون مذهلة بخرافيتها، فأحد أهم قيود الولاية الثانية ألا يفسد حظوظ المرشح التالي لحزبه، فهي مسؤولية عليه أن يراعيها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"