بقلم : دلال خليفة الأحد 17-11-2013 الساعة 12:00 ص

الإعلام عندما يصبح قذراً

دلال خليفة

هل تذكرون من أيام الطفولة ذلك الطفل الشرير الذي يحطم الأشياء ويسرق اللعب والبيض ويضرب الأطفال ثم يتهم طفلاً آخر. أو يلوّث حمام السباحة ثم يضحك بشكل مسرحي مذهل وهو يشير إلى طفل آخر؟

هذه هي مواصفات إعلام أنظمة الطغاة والقنوات المؤيدة لها وجيش الشبكة الإلكترونية الموالي الذي يعمل بشكل لا يكلّ ولا يملّ. ولا يشعر بتأنيب الضمير ولو للحظة تسقط سهواً من الزمن. مثل ذلك الطفل المشاغب إلا أن ذلك الشيطان الصغير مهما ارتكب من الذنوب فإن ذنوبه لا تقارن بفواحش إعلام الطغاة ومؤيديهم التي تجعل قلبك يدق بعنف من هول قدرة البشر على الكذب والافتراء..

شاهدت في اليوتيوب منذ أكثر من ثلاثة أسابيع مقطعاً مستخرجاً مما تعرضه الجزيرة وضعته في المفضلة لأنه حقاً مس شغاف قلبي لما فيه من إنسانية وجمال.. كان مقطعاً لمجموعة من رجال الجيش الحر يقتحمون مستشفى قصفه النظام. فيدخلون قسم حاضنات المواليد المحتاجين لعناية خاصة. وينقذون الأطفال الذين تركوا وحدهم بعد أن مات من مات وهرب من هرب من القصف. وأنقذوا معهم جرحى آخرين من ضمنهم امرأةً أظهر المقطع جزءاً من النقالة التي تحملها.

رؤية هؤلاء الرجال بملابسهم العسكرية وهم يحملون الرضع كما لو كانوا يحملون صواني حلوى خزفية - كشأن من ليس له خبرة في حمل المواليد الجدد- جعلني أبتسم وتكاد عيني تدمع رحمةً وفرحاً بإنقاذ هؤلاء الصغار. ثم يُظهر المقطع صورةً أخرى للأطفال بعد أن تم وضعهم في حاضناتٍ أخرى في مستشفى آخر. ويخبرنا الطبيب المشرف أن الأطفال فُحصوا وأنهم بخير..

واليوم رأيت بالصدفة المحضة مقطعاً معنوناً باللغة الإنجليزية لواحد من الإعلاميين الموالين لبشار الأسد يعرض المقطع نفسه مع تعليق عليه باللغة الإنجليزية يقلب الحقيقة رأساً على عقب. إذ يدّعي أن مقاتلي الجيش الحر يسرقون الأطفال من حاضناتهم! وطبعاً يقطع جزء المرأة الجريح وجزء الأطفال في الحاضنات الجديدة والطبيب الذي يقول إنهم بخير.. ثم ليسبك الكذبة يأتي بامرأة تمثل دور ممرضة لتتباكى وهي تعبر للمشاهدين بالإنجليزية أيضاً عن ألمها لسرقة الأطفال من قبل "الإرهابيين" الذين لم يستطع أحدٌ إيقافهم.. لقد شاهدت من موالي النظام السوري كثيراً من الافتراءات ولكن هذا من أقذرها..

والذي يغيظ أكثر هو أن بعض المشاهدين صدقوا المشهد بسهولة وأخذوا يلومون الإعلام (الحقيقي) على عدم كشف "حقيقة" هؤلاء "الإرهابيين".. فليت الجزيرة. أو أيّ شخص يحب إظهار الحقائق ولديه قناة يوتيوبية ليته يتصدى لهذا التضليل ببث المقاطع بالإنجليزية. خاصة تلك التي عبث بها ذلك الجيش المتسلق من مدّعي الانتساب إلى الإعلام وهو منهم براء..

ويذكرني هذا التضليل الإعلامي بقناة المنار التي تعرض أحياناً صوراً لمن تصفهم "بضحايا" الحكومة البحرينية وهي بريئة منهم. ففي إحدى الصور نرى امرأة بعينها سيخ حديد. وهو أغلب الظن خطأ من الثوار لأنهم أخطأوا غير مرة في رمي الأسياخ فأصابت آخرين غير مقصودين وبعضهم منهم. فالسيخ من ثَمَّ يصلح لتبرئة الشرطة من هذا العمل الذي طال هذه المرأة البريئة أكثر مما يصلح لإدانتهم. لأنهم إن استخدموا سلاحاً فقطعاً سيستخدمون المسدسات والبنادق وليس الأسياخ التي اشتهرت بها الفئة الثائرة بالبحرين. كما أنها (المنار) عرضت وبغباء شديد مقطعاً فيه شباب يمثلون مشهداً مأساوياً مفاده أن الشرطة البحرينية قتلت بعضهم وجرحت بعضهم الآخر. وأيضاً لأن حبل الكذب قصير عرضته القناة على أنه لثوار سوريا مع عرض البروفة التي يعدون فيها المشهد لتؤلب الناس عليهم وتبرئ النظام السوري من دماء المدنيين متناسيةً اللهجة البحرينية التي لا يخطئها أحد. فأقرت من حيث لا تعلم بكذب إعلامها بما يخرجه عن مهنية الإعلام.

نحن لا نقول إن الحكومة البحرينية لم تخطئ أبداً في معالجة غضب هذه الشريحة من شعبها. فالخطأ لا تكاد تسلم منه حكومة معاصرة بما في ذلك حكومات الدول الغربية التي منها انطلقت هيئات حقوق الإنسان. ولم نقل إن ثوار البحرين ليست لديهم مطالب مشروعة تستحق النظر فيها. ولكننا ضد استجلاب التأييد الإعلامي بأيّ وسيلةٍ وإن كانت غير مشروعة وبأي ثمنٍ وإن كان فقدان المصداقية..

وأتساءل حقاً.. هؤلاء الذين يزعمون أنهم مثقفون ومتمدنون. ومتدينون (في حالة المنار). وعصريون (في حالة شباب الشبكة الإلكترونية) ألا يتوقفون لحظةً ليراجعوا أنفسهم؟ ألم يدركوا بعد أن العالم الحديث أصبح يقدّر الشفافية ويزدري من يحيد عن القيم؟ هل رضي بشار وإبقاؤه في منصبه ثمنٌ مجز يبيعون من أجله ضمائرهم واحترام الآخرين واحترامهم لأنفسهم.. وفوق كل ذلك آخرتهم؟ والله إنه لثمن بخس.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"