بقلم : دلال خليفة الأحد 10-11-2013 الساعة 12:00 ص

سياسة وردية اللون

دلال خليفة

علّقت شقيقتي يوماً بأن كتابات صديقتي في السياسة تشعرها بأن كاتبها رجل. لأن المواضيع السياسية. كما قالت. ليس فيها أنوثة. غير أنه ليس هذا ما أشعرني بـأن أنوثة صديقتي العزيزة على المحك. ما أشعرني بذلك هو أنها في إحدى مجادلاتنا قالت لي: "عموماً. لا داعي لأن نتلاحى في هذه المسألة". "نتلاحى"؟!! قاتلك الله يا صديقتي كم أضحكتني!

وإذا كانت المرأة التي تكتب في السياسة تتعرض للتشكيك في مقدار أنوثتها. فكيف بالتي تمارس العمل السياسي؟

لنستعرض أشهرهن.. ولنبدأ بجولدا مائير. التي وصفها الإعلام الغربي أحياناً بـ"المرأة الرجل". قرأت عنها فوجدت أن من أشهر عباراتها:"نستطيع أن نغفر للفلسطينيين قتلهم لأبنائنا ولكننا لا نستطيع أن نغفر لهم إجبارنا على قتل أبنائهم.". فلنكتفي بهذا القدر من سيرتها بعد هذا الاعتراف بالقتل..

وهناك مارجريت تاتشر. المرأة الحديدية التي كانت الطبقة العاملة لا تطيق رؤيتها. والتي كان برنامج "سبيتنغ إيمج" البريطاني الذي يمثل المشاهير بدمى كاريكاتورية الشكل والتصرفات لا يُظهر دميتها بالبرنامج إلا وهي ترتدي بدلةً رجالية وربطة عنق. في مقابلة تليفزيونية لهذه السياسية وجه اللوم إليها لأنها أمرت بإغراق غواصة. بمن فيها طبعاً. في مياه مستعمرة بريطانية في أمريكا الجنوبية. فقالت ما معناه "لو لم أغرقها فضربتنا لقلتم لِمَ لَم تغرقيها".

وهناك أنديرا غاندي البشوشة الوجه والتي قتلها اثنان من حرسها الشخصي لأنها أصدرت أمراً بعملية عسكرية قُتل فيها عددٌ من الانفصاليين السيخ وضُرب معبدهم.

ثم هنالك أولبرايت التي حتى الصحافة الغربية استنكرت إجابتها التلقائية عندما سئلت: "هل تعتبرين قتل الأطفال العراقيين (أو ربما العراقيين) أمر مجد؟" فأجابت بنعم.

وكنت أظن أن هيلاري كلينتون هي السياسية الشهيرة الوحيدة التي لم يكدر صفو رقتها الأنثوية شيء. إلا أنني اكتشفت أنها صوتت لحرب العراق وألقت كلمة حول ضرورة شنها. كما أنها وُصفت بأنها من الصقور لا من الحمائم.

بيْد أن الوجود النسائي السياسي قد لا يرتبط بالقتل أمراً أو قبولا أو تحريضاً أو تصويتاً. وقد لا يقتصر أصلاً على من يتقلدن مناصب سياسية فقط. فهناك نساء يُحطن برؤساء أو سياسيين ويمارسن السياسة من خلال تأثيرهن عليهم. (وقد يكون هذا التأثير جيداً). ولا يغرنكم الثوب الوردي والابتسامة العذبة فخلفها شريكة في الملك تعلم متى تحرك عصاها السحرية.

مثلاً. يقال إن أنور السادات كان يستشير جيهان السادات في كل ما يفعل. ولا يُستبعَد أن تكون القرارات السياسية جزءاً مما تستشار فيه إن صح ما قيل. أما حسني مبارك فقد رُوي عنه أنه في آخر ساعاته في القصر الجمهوري قال لابنه جمال: "أنت وأمك دمرتوني!" والسؤال هو: هل يشمل هذا "التدمير" التدخل في القرارات السياسية البحتة؟

ثم يأتي أخطر دور كواليسي لامرأة.. دور أنيسة مخلوف إن صح ما كُتب عنها من قبل أناس يصفون أنفسهم برجال القصر الجمهوري السوري السابقين. أو بأشخاص مقربين منهم.

أنيسة مخلوف هذه ابنة الرجل الذي ساعد حافظ الأسد على الوصول إلى سدة الحكم كما هو معروف في سوريا. ومن هذا المنطلق فقد كان لها شيء من السطوة يجعلها تتدخل في سياسة زوجها كما يقال بالإضافة إلى أخيها وبعض أقاربها. ويقال إنها من نصحه بالحد من القتل في أحداث الثمانينيات لعدم تشويه صورته لدى الشعب (وهذا من محاسنها رغم اختلاف الهدف).

ويقال إنها لا تزال تحتفظ بسطوتها. وهي تُتهم بأنها خلف بعض. أو كثير مما يحدث في سوريا الآن. لذلك يلعنها الثوار في كل مناسبة. أصدق بسهولة أن الشر لا يأتي من بشار وحده لأنه يبدو أرق من ذلك. ولكن هل تساهم أمه في هذا الشر؟ الله تعالى أعلم. لأن الذكريات بلا إثبات تظل ذكريات.

والسؤال الآن هو. ألا تستطيع المرأة الحفاظ على نقاء ثوبها الوردي وهي تمارس السياسة؟ ثم لماذا. وكيف تستطيع المرأة أن تخرج. ليس من ثوبها الورديّ فقط وإنما من ثوبها الإنساني؟ يبدو أن الإيمان بالعمل والنضال من أجل النجاح وإثبات الذات في أيّ عمل تؤديه وراء هذا التنكر للطبيعة المفترضة للمرأة.

ولكن الرجل أيضاً يستطيع الخروج من ثوبه الإنساني إذا ما وقف شيءٌ في طريقه. فلماذا نستقبح القسوة من المرأة أكثر بكثير مما نستقبحها من الرجل؟ ألأنه في النهاية لن يحمل جنيناً في أحشائه. ولن يضطر فيما بعد إلى العناية بهذا المخلوق الرخوي الهش المنعدم الحول والقوة. وإرضاعه بكل ما أوتي من صبرٍ وحنان إلى أن يكبر فيصبح... سفاحاً؟ ولكن انتظروا قليلاً. بما أن هذا الكائن الصغير يمتلك إمكانية أن يصبح سفاحاً فيما بعد فلِمَ لا يتكون جنيناً في بيئةٍ مناسبة؟

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"