بقلم : دلال خليفة الأحد 27-10-2013 الساعة 12:00 ص

عندما ينمو الإنسان في حاضنة ضيقة

دلال خليفة

خبر أثلج صدري وساءني قليلاً في الوقت ذاته؛ شابٌ سعودي يخترع جهازاً يعين على القيام بأبحاث لعلاج السرطان تحتفي به مؤسسات العالم الطبية. هذا هو الجزء الذي يثلج الصدر. أما الجزء المحزن فهو أنه لم يجد في بلده من يتبنى هذا الجهاز. ويأخذ بيد مخترعه كيما يتوصل إلى ما توصل إليه بعد أن احتضنته مؤسسة أسترالية.

قديمة؟ طبعاً لأن هذه ليست المرة الأولى ولا العاشرة التي نسمع فيها مثل هذا الخبر. والتعبير هنا عن استياء أبناء البلد لعدم ثقة إدارات ومؤسسات بلادنا بأبنائها أيضاً ليس بجديدٍ على الصحافة. ولكننا نستطيع دائماً أن نطالب بالجديد..

بدايةً. لنتلمس أصل المشكلة. هناك. أي في الدول التي تحتضن أدمغتنا أحياناً. يحتل المناصب عادة ذوي العقليات المتفتحة التي تؤمن بالإنسان وتقدره. بعض دولنا تحاول أن تخطو في هذا الاتجاه. ولكنها قطعاً لم تصل بعد..

لذا تظل قيمة الإنسان محدودة في أعين كثير من القائمين بالأمور في بلادنا. ليس لأنها محدودة فعلاً ولكن لأنهم لا يستطيعون الارتقاء إلى المستوى الذي يمكنهم من تقديرها..

وسيظل لجوء أبناء الوطن إلى الدول الأجنبية لتحقيق طموحاتهم العلمية وصمةً في جبين حكوماتنا إلى أن تُؤدي الأمانة التي أوصى بها حبيبنا المصطفى عليه الصلاة والسلام. وهي أن يسند الأمر إلى من يستحقه فعلاً لأن من لا يستحقه لن يتسبب إلا في إلجاء المزيد من الأدمغة إلى الدول الأجنبية أو في اضمحلالها وتلاشيها إلى الأبد..

المشكلة الأخرى أن بعض أصحاب الأفق الضيق ممن تستأمنهم دولنا على قطاعات كبيرة وهامة يفضلون دائماً مصالحهم الضيقة على مصالح البلاد. وذلك يجعل الواحد منهم أحياناً يفعل كل ما في وسعه لإبعاد من يظن أن وجودهم في مؤسسته سيؤدي في أحد الأيام إلى منافسته. فيظل مستحوذاً على المكان بعقليته القاصرة ومتشبثاً فيه بأسنانه إلى أن يجمّد مؤسسةً كان من الممكن أن تنمو وتنهض بشريحةٍ من البشر قابلة للنمو لولا أنها وُضعت في حاضنة متجمدة لا تنمو معه..

المصيبة أن هذه النظرة غير الصائبة في تقدير الإنسان والمتفشية في العالم العربي أضرت به أيما إضرار. حتى أصبح ليس العقل العربي فقط. بل والدم العربي أهون على حكوماته وعلى العالم من دم أرخص مجرم في إسرائيل أو أي دولة من دول الغرب. فيباد الناس هنا بالآلاف ومئات الآلاف ولا يكاد قائد عربي يحرك ساكناً.

لنأخذ إنساننا العربي في سوريا مثلاً. ولنضع جانباً ضحايا النظام من جراء القصف والقنص وكل أنواع الجرائم. ولنأخذ القتلى والأسرى من جنوده مثلاً. هل يهمه أمرهم وهم يتساقطون يومياً؟ وأولئك الأسرى من الإيرانيين. هل أهمه أو أهم حتى دولتهم أمرهم؟

لا طبعاً فإن الإنسان في هذه المنطقة أداة فقط ليست الحياة من مستحقاتها الأساسية فضلاً عن النمو. لهذا نرى بشار في برنامجه لترك البلاد حطاماً قبل أن يتركها لا يعبأ لا بجنوده ولا بشعبه. فهم برخص التراب. ويعلم أن الوطن العربي كله يرى الإنسان برخص التراب ولن يحرك ساكناً وهو يبيد شعباً وحضارة. فكيف بمثل هذه النظرة للإنسان يمكن أن يُقيّم علم الإنسان أو فكره؟

لذا فالحل العاجل إذا أرادت أي دولة من دولنا أن ترتقي. هو أن تقتلع كل من في المناصب من ذوي العقلية الأنانية والنظرة القاصرة المحدودة الطموح واستبدالها بعقول تنهض بالبلاد من خلال النهوض بالفرد. لا ينبغي أن يوجد شيء اسمه مجاملة أو تشريف لأن مؤسسات الدولة ليست ملكاً خاصاً لكبار مسؤولي الحكومة يُنعمون بها على من يشاءون. وإنما أمانة سيسألون عنها يوم لا يملكون القدرة على تغيير شيءٍ فعلوه..

والمشكلة التي لم تُستوعب بعد هي أن التقليل من الاهتمام بالإنسان لا يعوق البلاد عن النمو فحسب. بل وقد يقلب الطاولة كما يقولون فوق رأس الحكومات في النهاية. مثلما حدث مؤخراً في بعض الدول العربية. وما زال هناك دولٌ على القائمة ما لم تسارع إلى احتضان الإنسان عالِمه وجاهِله والاهتمام به. وإنصافه بمحاربة الفساد والمفسدين الذين يعرقلون نموه ويغلقون الأبواب دونه. والذين هم عادة من يضرم بهذه الممارسات الشرارة الأولى للنار التي تحرق الأنظمة عندما تبلغ مداها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"