بقلم : رحاب شريف الثلاثاء 05-11-2013 الساعة 12:00 ص

أنا والمال

رحاب شريف

منذ كنت طفلة وأنا لا أحسن التوفير، كان من حولي جميعا يمتلكون "حصّالات" للادخار لمدة تطول وتطول لسنوات، أما أنا فما تلبث "الحصّالة" الفخار عندي غير ثلاثة أيام، ولا داعي أن أخبركم أنني طيلة هذه الأيام القصار أحاول كسرها ثم أتوب وأرجع، حتى يتمكن مني الشيطان فأكسرها وأمضي إلى أقرب بقالة أو محل للألعاب فأحقق مبتغاي.

كبرتُ وكبرت هذه الخصلة عندي،أرمي بجميع قوانين التوفيرجانباً وأضرب بجميع الحكم والأمثال التي تشجع الجميع على التوفير عرض الحائط، أعيش اللحظة، فلا أفكر في غد حتى يأتي ولا آبه بما مضى من مال، رغم أن جميع من حولي ينصحني ويمنحني بعض الاستراتيجيات التي قد تعينني على التوفير بل ويرفقونها بقصص مؤثرة خلاصتها أن القرش الأبيض سينفعك يوما في اليوم الأسود، وكان ردي دائما "أيامي كلها بيضاء الحمدلله، لا قَرّبَ الله اليوم الأسود".

رغم أني كنت لا أعمل للمال قيمة، ولا أنتهج مبدئ التوفير، فإنني كنت — منذ صغري — محبة للكتب التي تتحدث عن طرق الثراء، والطريق إليه، وكيفية الوصول إلى لقب مليونير، وكنت استوعب الطرق جميعها ولكن هيهات أن أطبق، حتى طُلب مني مرة أن أقدم دورة جماهيرية تحت عنوان "كيف تصبح مليونيرا"، بالطبع رفضت رغم العرض المغري، لأنني رغم مخالفتي للمثل القائل: "فاقد الشيء لا يعطيه" ورغم علمي بالمنهجيات التي توصلني للثراء من خلال قراءاتي لتلك الكتب، إلا أنني لم أحقق الهدف لأدعو الناس لتحقيقه!، عندما أصرّت مديرة التدريب والتطوير عليّ لتقديم الدورة تذكرت حينها بيتين من قصيدةٍ لأبي الأسود الدؤلي:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله.. عار عليك إذا فعلت عظيمُ.. ابدأ بنفسك فانهها عن غيها.. فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ

ورشحت لها من يستحق أن يكون في هذا المحل.

كانت جدتي دائما ومازالت تحدثني عن أمجاد بعض أفراد العائلة، كيف انتقلوا من مراتب الطبقة المتوسطة حتى وصلوا إلى الثراء، فقط لأنهم قدّروا المال قليله قبل كثيره، وكنت دائما أجيبها.. "يايمة لا تعورين راسج معاي.. الفلوس وصخ دنيا".

"رضا عبدالكريم"، أحد الذين بنى له مجدا من عدم، فقط لأنه أدرك قيمة المال، كان ينصحني كثيرا ولكني كعادتي لم استجب للنصح، حتى جاء اليوم الذي ليس ببعيد، منذ ثلاثة أسابيع تقريبا، تذكرت جميع تلك النصائح، وتذكرت عزائي لنفسي: "ان المال وصخ دنيا" ونسيتُ قول الله (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) تماما كمن يقول لنفسه "السلطان من اعتزل السلطان" فقط لأنه لا يستطيع الاقتراب من السلطان فيعزي نفسه بنفسه..

تغيرت حولي ألوان الحياة، والمفاهيم، وتذكرت الوجوه بقسماتها وحُرقتها وهي تنصحني، تذكرت ماقرأت لمجرد العلم لا التطبيق، وأدركت كم أضعت من السنين، وعلمت أني لن أجذب الشيء حتى أحبه، ولن أبقي المال في حوزتي إلا اذا بنيت بيني وبينه رابط، وجعلت في نفسي قناعة تجعلني أحول المفاهيم إلى قيم ومنها إلى أفعال.

الجميل أن الله — كما يفعل معي دائما — يُوجد لي الحلول الشافية الوافية، إلا أن الحل هذه المرة لم يكن سهلا يسيرا ككل مرة، بل جاء مع صفعة تعلمتُ منها أن أيامي مهما كانت بيضاء جميعها، إلا أنهُ كان يجب علي أن أدرك أنني لست في الجنة بعد، فالدنيا بين لونين أسود وأبيض، وبين حالتين صحة ومرض، بسمة ودمعة، ولا بد من الأخذ بالأسباب.

علاقتي بالمال اليوم مختلفة تماما عما مضى، جاء هذا الدرس بعد صفعة من الزمن قوية، ولكن عزائي أن المرء من حيث يثبت لا من حيث ينبت ومن حيث يوجد لا من حيث يولد وأدركت الدرس البسيط بقناعة تامة " لا إفراط ولا تفريط".


التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"