بقلم : رحاب شريف الثلاثاء 01-10-2013 الساعة 12:00 ص

الطفل الذي بداخلك

رحاب شريف

زوجي "أحمد" اعتاد أن يفتح صفحة "اليوتيوب" قبل أن ينام، ليرى بعض المقاطع الكارتونية وشيئاً من الرسوم المتحركة التي اعتاد مشاهدتها وهو في عمر الزهور، كنت في بداية الأمر أستغرب فعله، ولكني حين خضت التجربة معه شعرت بشعور جميل، أكاد أعجز عن وصفه، الأهم من هذا وذلك أنني شعرت بأنني قد أحييت ذلك الطفل الذي بداخلي من جديد، ولا داعي لأن أصف جمال شعور الأطفال وأجوائهم، فأدركت حينها أنه ما أجمل أن تحافظ على ذلك الطفل الذي بين جنبيك بأي ممارسة بريئة، مهما امتد بك العمر.. الموقف الذي أعجبني جداً، والذي صادفني حين كنت في إحدى الحدائق العامة بالبلاد، مصطحبة بعض أطفال العائلة، لأرافقهم وأشرف عليهم، وبالطبع أدفع لهم. وبينما أنا معهم في تلك الرحلة، رأيت أحد وجهاء البلد مع بعض من الأطفال، أظنهم أحفاده، لم تكن مهمة ذلك الوجيه كمهمتي الإشرافية، بل كان يشارك أحفاده — كما أحسبهم — اللعب والصراخ والأكل والشرب، فكان يلعب معهم ويصرخ مثلهم، ويشرب تلك المشروبات الملونة التي يحبها الأطفال، ويأكل الحلويات التي يأكلونها، حتى بلغت به الحماسة أنه وهو يلعب إحدى الألعاب، سقط عقاله على الأرض، وأخذ الأطفال يضحكون، ويخبرونه أن عقاله لم يعد فوق رأسه، وما كانت ردة فعله إلا أنه ضحك معهم، وواصل الجولات كلها دون عقال، بل ونزع الغترة من فوق رأسه وواصل الرحلة، العجيب أنني كنت أعرف ذلك الوجيه جيداً، وأعرف شخصيته القوية، ومدى اتزانه، ولكني في تلك المرة رأيت طفلاً في شكل رجل، كنت أشعر بأنه كان يضحك كما لو لم يضحك قط، وكان يلاحق الأطفال ويشاكسهم ويشاكسونه وكأنه في عمرهم تماماً، بل وأصغر منهم بقليل. ابتسمت حينها وحادثت نفسي: "المرء الذي يقتل ذلك الطفل الذي بداخله يفقد الكثير، نعم الكثير". تأخذنا الحياة إلى مشاريع عدة ومناصب ذات مسؤوليات كبيرة، فنفشل في البعض وننجح في البعض الآخر، فتصقلنا المشكلات، لنحول قصة الفشل قصصاً من النجاح، وفي خضم تلك الصولات والجولات، والتحديات والمواجهات، وبين مد الحياة جزرها، ترتسم على ملامحنا آثار الزمان، فننسى أن نغذي ذلك الطفل الذي تأصل فينا، فتجاهلنا وجوده، وفقدنا بالتالي كل جميل يحتويه، تلك المرحلة العمرية التي تتسم بالطهارة والنقاء والصدق، الابتسامة لا تفارقهم، فحياتهم بسيطة؛ إن تعبوا فمن اللعب، وإن حزنوا فلسبب مشابه، ترى في تلك العيون الشفافية الحقيقية، وفي تلك الخدود الجمال الحق.

فجربت بعد تلك الأحاسيس المتداخلة، أن أحيي الطفل الذي تجاهلته كثيراً، قد لا يحتاجني أبداً، ولكني أحتاجه، قد لا أضيف إليه شيئاً، ولكنه سيضيف إلى حياتي أشياء!! قد لا أمنحه شيئاً، ولكنه سيمنحني المنح، وسيعطر أيامي بجمال الطفولة، فلمَ يقتل الناس الطفل الذي بداخلهم؟ وهم أحوج ما يكونون إليه؟!، وهكذا فعلت بعد أن قررت أن أغذي ذلك الطفل الجميل، بعد إهمال طويل، فاصطحبت أطفال الأهل إلى الملاهي مرة أخرى، ولكن مهمتي هذه المرة لم تكن إشرافية وحسب، بل كنت معهم أشاركهم اللعب والأكل والصراخ والركض، فشعرت حينها بأن للحياة لذة مختلفة، طعمها البساطة، ولونها البراءة.

خرجت من تلك الرحلة وأنا أقول في خَلَدي: "إياكِ إياكِ أن تهملي ذلك الطفل الذي بداخلك مرة أخرى، بل احتويه، واجعليه معك في كل حين، وعيشي معه بين الفينة والأخرى، فأنت الأحوج إليه منه إليك، فلا أجمل من أن يشعر الإنسان بالبراءة، ويعيش البساطة، ويلبس الطفولة!!.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"