بقلم : رحاب شريف الثلاثاء 24-09-2013 الساعة 12:00 ص

برّد على قلبك يا شيخ!

رحاب شريف

وأنا على متن الطائرة، عائدةً ادراجى الى أرض الدوحة بعد قضاء رحلة ممتعة وقصيرة فى عطلة نهاية الاسبوع، قادتنى المضيفة الى الكرسى المخصص لى للجلوس، جلست عليه، ولبست حزام الأمان، وبعد قراءة دعاء السفر قررت أن أغفو قليلا.. ولكن! لم أستطع.. لمَ..؟ دعونى أحدثكم.

كان يجلس على الكرسى الموازى فى الجانب الآخر رجل فى منتصف العمر تظهر عليه هيئة التدين، ذو لحية طويلة وكثيفة، ثوب قصير، وفى الكرسى الخلفى له مباشرة رجل لم أشاهد ملامحه، ولكنى كنت أستمع الى صوته بوضوح شديد، لم أكن الوحيدة القادرة على سماعه بل أنا وجميع من فى النصف الأخير من الطائرة، بدء الحوار من خلال الرجل الذى كان خلف الشيخ والرجل الذى تظهر عليه علامات التدين، فبدأ بعبارات " تمسخر" واستهزاء بأصحاب اللُحى والمشايخ، وكان صوته قويا مدويا، وكان يستخدم عبارات ذات ألفاظ قوية محاولا جهده أن يثير غضب الشيخ، العجب الآن فى ردود الشيخ، اذ كنت أسمع منه كلمات ايجابية بصوت هادئ مثل: " تسلم، ربى يحفظك، الله يجزيك الخير.."، فى تلك الأثناء كانت مضيفة الطيران توزع على الركاب بعض العصائر والمياه المعدنية، فبدأ الرجل مهمته من جديد محاولا اثارة زوبعة الغضب.. فأخذ يردد: "برد على قلبك شيخ.. اشرب ماي.. والا المشايخ ما يشربون ماى بعد!!" وكان رد الشيخ: "أبشر"..، كرر الرجل تلك العبارة مايقارب السبع مرات محاولا أن يسمع ردا مخالفا لما استمع اليه، الا أن الشيخ كان محافظا على هدوئه والبسمات مرتسمة على وجهه وعلامات الرضا بيّنة وجليّة، كنتُ فى عجب من أمري، كم من الحلم يملك هذا الرجل! كان زمن الرحلة ما يقارب الثلاثين دقيقة، وأكاد أجزم بانه منذ أن أقلعت الطائرة حتى حطّت، لم يكف ذلك الرجل عن العبارات التى تثير الغضب وتكدر الخاطر، وعجبت العجب كله من ذلك الحلم، وكظم الغيظ الذى كان يتسم به "أخونا" الشيخ.

تذكرت حينها موقف معن بن زائدة الذى اشتهر بالحلم والكرم، فعندما ولاه أبو جعفر المنصور على اليمن تراهن أعرابيان على اغضابه، مقابل مائة بعير فدخل أحدهما على معن وأخذ يقول:

أتذكر اذ لحافك جلد شاة واذا نعلاك من جلد بعير؟ فقال معن: نعم اذكره ولا أنساه فقال الأعرابي: فسبحان الذى سواك ملكا وعلمك الجلوس على السرير فقال معن: ان الله قادر على كل شيء. فقال الأعرابي: سأرحل من بلاد أنت فيها وان جار الزمان على الفقير فقال معن: ان جاورتنا فمرحبا بك وان فارقتنا مصحوب السلامة. فقال الأعرابي: فجد لى يا ابن ناقصة بشيء فانى قد عزمت على المسير، فأمر له معن بألف درهم فقال الأعرابي: قليل ما أتيت به وأنى لأطمع منك بالمال الوفير، فأمر له معن بألف درهم أخرى. تأثر الأعرابى وأقبل على معن يقبل يديه يستسمحه ويقول: سألت الله ان يبقيك ذخرا فما لك فى البرية من نظير فمنك الجود والاحسان حقا وفيض يديك كالبحر الغزير فقال معن الى الأعرابي: ما حملك على هجونا؟ فأجابه: ذلك الأعرابى اللعين الذى راهننى لاغضابك لقاء مائة ناقة. فقال معن: اذن خسرت الرهان؟ وأمر له بمائتى ناقة. مائة له. ومائة للرهان..!!

من السهل جدا أن تأخذ حقك، وتنتقم ممن أساء اليك، ومن المعتاد الا ترضى على كرامتك حين تسمع من يسبك ويعاديك ويهجوك ويطأ على مناطق الوجع عندك، فيذكرك بخفقاتك وعثراتك، ويردد ما لا تحب ويحطُ من انجازات تفخر بها ويجعلها هشيما تذروها الرياح، ولكن الرفعة حقا والانتصار والقوة فى الحلم وكظم الغيظ وادارة المشاعر السلبية بل وتصييرها الى ايجابية بكرم وشكر واستحسان، لقد ساد الأحنف بن قيس فى زمانه وبقى خالدا حتى يومنا لأنه اشتهر بحلمه، واليوم اننى لانحنى اعجابا لحلم ذلك الشيخ على متن الطائرة اذ تحمل وأمام الملأ ما لا تتحمله النفوس وما لا تتقبله الاذان، كنت اردد فى قلبى طوال الرحلة "ليتنى أمتلك حلما كهذا الحلم".

اللهم اجعلنا من الكاظمين لغيظهم والعافين عن الناس واجعلنا اللهم من المحسنين.. آمين

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"