بقلم : رحاب شريف الثلاثاء 10-09-2013 الساعة 12:00 ص

"العطر الذي لا يزول"

رحاب شريف

دخلت "المول" ذلك المجمع الصغير الهادىء القريب من منزلي، لقضاء بعض الحاجات والمعاملات البنكية، لم أكن حينها في صحة جيدة، ولولا الاضطرار لما أخذتني قدماي إلى هناك، دخلت أحد البنوك لقضاء معاملتي البنكية الأولى، فأخذت رقماً لأنتظر دوري ثم أخذت مقعداً بالقرب من موظفة خدمة العملاء، كنت أرقبها وهي تقوم بعملها، فكانت "تتحلطم" وتتذمر على الزبون الآسيوي، الذي جاء يودع مبلغاً، بطريقة لا شك أنه فهم فحوى كلامها، رغم أنه لا يعرف اللغة، فهو بمعنى آخر يعلم ما تقول، وهو لا يعلم، مرت على جلسة انتظاري ساعة كاملة، وأحسستُ حينها بأن صحتي لم تعد تقوى على انتظاري، فتوجهتُ إليها وأخبرتها بعد السلام: "أختي تسمحين تمشين معاملتي لأني مش بخير، ومستعجلة" فأجابتني بتمعر، ووجهها تعلوه علامات التجهم: "آسفة أنا أمشي بالدور، وإذا مش عاجبج روحي كلمي المسؤول"! ارتسمت على محياي بسمة، وكأني أقول لها في نفسي "لا بأس".. ولكنها كانت تستطيع إيصال نفس الرسالة إلي بطريقة لائقة أكثر.. جاء دوري بعد انتظار قاتل، وأنهيت إجراء المعاملة، ولحسن الحظ أنها لم تقم بخدمتي، حين جاء دور رقمي، فقد كان من حسن الطالع أن يظهر رقمي على شاشة زميلها موظف خدمة العملاء، شكرته ثم توجهت لمصرف الريان لإجراء المعاملة الثانية والأخيرة.. دخلت مصرف الريان فإذا به مزدحم، كانت معاملتي مع موظف خدمة العملاء مباشرة، أخذت رقماً وهممت بالجلوس لأنتظر دوري!! ولكن، إليكم الفارق، جاء مدير الفرع مباشرة ليسألني — كما سأل غيري من بعدي — كيف أخدمك؟ فأخبرته بالمهمة التي أريد، نفذها لي في غضون دقائق، بابتسامة عريضة وأخلاق عالية، فحين أنهى لي الخدمة سألته عن اسمه فأجاب: "عبدالله عقيل"، نقشت الاسم في عقلي، لأنني قد عقدت العزم أن يكون ذلك محور مقالي القادم، شكرت عبدالله وتوجهت نحو الباب، فإذا به يخدم أحد الآسيويين بنفس الطريقة، فتذكرت الفارق، بين موظفة خدمة العملاء تلك في ذلك البنك، وبين مدير الفرع في مصرف الريان!! إنه الخلق الذي يرفع من مقامك، أو يحط منه، فما ضر المدير التواضع وخدمة العملاء ببشاشة ولباقة؟!! خرجت من المصرف وكأني شفيت حين رأيت تلك الأخلاق العالية والمعاملة الراقية.. إنها الأخلاق الدمثة التي هي بمثابة العطر الذي لا يزول.

عندما كنت في المرحلة الإعدادية كنت أرى جدتي وهي تتعامل مع الجميع — من يُحسن لها أو يُسيء — بطريقة راقية وبأخلاق عالية، فكنت أصرخ في وجهها وأخبرها كيف تعاملين المحسن والمسيء بخلق!؟، هذا ضعف، وعليك أن تردي الحسنة بعشر، والإساءة بمليون، فكانت تجيبني: "الطيب يا بنتي غلب الطبيب"، وفعلاً كنت أرى المسيء لها يندم بعد حين، والعدو ينقلب إلى صديق!! إنها الأخلاق العالية التي هي بمثابة العطر الذي لا يزول.

مازلت أتذكر د. هشام العمال، دكتوري حين كنت في مرحلة البكالوريوس، والذي أصبح عميداً لكلية تقنية المعلومات بعدها، كان يعامل جميع الطلبة بطريقة راقية، لم يكن متحيزاً في المعاملة البتة، فالذكي والغبي والمسلم والمسيحي والسني والشيعي والفقير والغني؛ له نفس المعاملة، ونفس مستوى الخلق، كنت أعجب من بعض الأسئلة التي تطرح عليه خلال المحاضرة، حيث لابد للسامع من أن يقول في نفسه: "يا لَهذا الغباء"!! ولكنه كان يجيب بطريقة تجعل الجميع يتفاعل معه.. طريقة محفزة ترفع من ثقة الطلاب والطالبات. كنت كثيرة الصمت في محاضراته، لأني كنت أقيد في عقلي الباطن شخصيته، وطريقته وأخلاقه، فهو من نماذج الأساتذة الفريدة التي قلما تتكرر، لقد مضى على تخرجي سنوات طويلة، ولكني مازلت أتذكر تفاصيل شخصية هذا الدكتور، ولا عجب.. إنها الأخلاق الراقية التي هي بمثابة العطر المعتق الذي لا يزول.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"