بقلم : رحاب شريف الثلاثاء 27-08-2013 الساعة 12:00 ص

أيُ الصنفين أنت؟

رحاب شريف

وأنا أقضي عطلة عيد الفطر المبارك، قابلتُ إحدى الأخوات التي اكتشفتُ مؤخراً أنها مصابة بمرض السرطان، فلاحظتُ على وجهها التعب والألم، وأثر "الكيماوي" طغى على شبابها ولوّن بشرتها بالسواد، فحاولتُ جهدي ألا تَفضحني ملامحُ الألم التي انتابتني حتى لا أزيد من همها هماً، ومن ألمها جرعةً زائدة.

ركبتُ سيارتي، وأخذت أفكر بموفور العافية الذي نحويه، وبلغ عندي الامتنان رقماً صعباً وحذرتُ نفسي يوماً أن يزلَّ لساني بشكوى أو تذمر، فمن ملكَ العافية ملك الدنيا بما فيها، فالحمدلله..الحمدلله.

تلك الليلة لم تكن سهلة العبور، ملامح تلك الأخت كانت لا تفارقني، أخذت أفكر في من حولي جميعاً، وفي جميع النعم التي تغمرنا، فصرتُ أحمد الله حمداً عظيماً.. حتى بلغني النعاس، في صباح اليوم الآخر، خرجتُ مع إحدى صاحباتي لتناول الإفطار معاً، فبدأت حديثها تشكو من عملها ومن زميلاتها، فقاطعتها: "هل فكرت يوما أن هناك ملايين العاطلين عن العمل يتمنون أن يكونوا في مكانكِ الذي تشكين منه؟" فاندهشت من سؤالي غير المتوقع، تابعت: "هل فكرتِ يوما أن تشكري الله في كل صباح توقعين فيه حضوركِ للعمل، فأنتِ موظفة وغيركِ يَحلم بأن تكون له وظيفة.. أيةَ وظيفة" فابتسمت ثم همست "الحمدلله..".

نحن بني البشر نُحسن الشكوى، بإبداعٍ وتفننٍ واتقان، نفكر في المفقود كثيراً ولا نلتفت للموجود، نطمع في كل شيء ولا نقنع بأي شيء، فنصل مرحلة الجحود السقيمة التي حذرنا الله منها في كتابه، ولا يكون المرء حكيماً إلا اذا جعل من الامتنان ديدنه وطريقه، أفكرتَ يوما في النعيم الذي تعيش، في صحتك، ووظيفتك، وغرفتك، وأهلك، والأمان من حولك؟ هل فكرت يوماً في قدميك..وساقيك ولسانك وعينيك.. هل فكرت يوماً في طعم الحرية الذي تستنشق؟ بيدَ أن هناك من يقبع في السجون مظلوماً محروماً، هل فكرت يوماً أن تغمض عينيك دقيقة كاملة بثوانيها الستين، فتعيش ظلام الضرير، لتدرك نعيم النور الذي أنت فيه؟.. تساؤلات لا حد لها ولا سد، أوَما قال الله:"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.."، نعم هيَ لا تُحصى أبدا.

يقول روبرت إيمونسن الباحث في علم النفس في جامعة كاليفورنيا في دايفيس، إن الأشخاص الذين يشعرون بالامتنان، عادة ما يتمتعون بصحة أفضل من غيرهم، كما تقل لديهم الأعراض المرضية، ولديهم طاقة كبيرة، ولهم علاقات اجتماعية أوسع، إضافة إلى تمتعهم بروابط زوجية أقوى، وربما بمدخول مادي أكبر، وأضاف الباحث، وفقاً لما نقلته صحيفة "ماكلاتشي تريبيون" الأمريكية، ان الشاكرين يخلدون إلى النوم بسهولة، وينامون بعمق ولفترات أطول، ويستيقظون هانئي البال.

لقد لاحظت وبعمق أن الناجحين لا يعرفون الشكوى والتذمر، ولا يرون السماوات المظلمة، ولا يتذكرون الذكريات الأليمة، ولا يكررونها في أنفسهم، يتخيرون الخير لذكره، وتسطيرهِ في نفوسهم، ويشكرون من حولهم على كل شيء، كل شيء، وينظرون للموجود بامتنان وحب وشكر، وينظرون للمفقود بطموح ورغبة وهمة، لا بطمع وجحود وحسرة، هنا يكمن الفرق بين الممتن الطموح والجاحد الطامع، فالأول سيحافظ على النعيم الذي بين يديه وسيرزقه الله ما يتمنى وزيادة، والآخر سيخسر ما لديه ولن يطول مما يتمنى نقيرا، فتفكر في نفسك من أيّ الصنفين أنت؟

اللهم لك الحمد حمداً لا يُعدُّ ولا يُحصى..

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"