بقلم : رحاب شريف الثلاثاء 18-06-2013 الساعة 12:00 ص

صلاح اليافعي.. من النور إلى النور

رحاب شريف

سُجن صلاح اليافعي في السادس والعشرين من إبريل المنصرم، وقضى في ظلمات السجن اثنين وخمسين يوما دون تهمة تذكر، وفي هذه الأيام اتحد الناس أيّما اتحاد ليكون خلاصه قريبا، فوحدوا الدعاء، وخصصوا أياما للصيام الجماعي ليدعوا له، وحددوا أوقاتا للقيام الجماعي ليناجوا المولى فهو الناصر والنصير، وأخذوا ينظمون حملات إعلامية للضغط على الجهات المسؤولة علّها تتخذ الإجراءات المناسبة، تحركَ النواب والمسؤولون والسفراء والمحامون والصحفيون والكتاب والناس عامة لصلاح، حتى يعود حرا طليقا، فلا خير فينا إن لم نكن يدا واحدة في الأزمات والخطوب، هكذا علمنا حبيبنا المصطفى، فالمؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

شعرتُ بسعادة عارمة وأنا أرى أبناء الخليج يناضلون له سرا وعلنا، يدعون له غيبا وجهرا، يدافعون عنه ويطالبون برجوعه بكل القوة التي بين جنبيهم، ساندهُ الناس من كل جانب، فمنهم من حرّك قلمه ليسكب بحبره كلمات نيرة تُعين في احقاق الحق، ومنهم من حرك لسانه، ومنهم من استخدم قدراته التقنية وفنه في مواقع الاتصال الاجتماعي، ومنهم من حرك جميع معارفه وشبكته الداخلية والخارجية، للهدف عينه، حتى "مؤسسة أسباير" وهي الجهة التي يعمل بها المربي الفاضل ساندته في محنته فكلمت أهله وذويه بأنه مهما طال حبسه سيبقى عمله قائما وراتبه ساريا، بل ساهم في هذه المحنة ملك البحرين حفظه الله أن بذل الجهد — ولله الفضل من قبل ومن بعد — حتى سمعنا خبر الإفراج عن الأستاذ صلاح اليافعي، فبارك الله خطى الجميع، والحمد لله رب العالمين.

في حادثة "صلاح" تعلمتُ — وجميعنا في طور التعليم — دروسا في الصبر والثبات، فإليكم بعضا منها: لقد بلغ منزله مساء واستقبله حشد من الناس، ولا سيما أنه سهر مع أهله وذويه حتى ساعة متأخرة من الليل، فظننتُ أن سيخلد إلى النوم لساعات طويلة بعد اثني وخمسين يوما من السجن والنوم المتقطع أو دعوني أسميه اللا نوم، إلا أنه كان في الصفوف الأولى لصلاة الفجر، لقد سجل حضوره للصلاة في جماعة، بعد أزمة مريرة، وأوقات عصيبة، وتعب شديد، لكنه أبى إلا أن يكون هناك في الطليعة، والناس فينا في هناء وأمان وعلى فرش ناعمة، أكلت ما لذ وطاب ونامت النوم الهنيء ولم تسجل حضورها في الفجر فردا أو جماعة، بوركت يا صلاح.

وأما الدرس الثاني: تأدبه البليغ مع الله عز وجل، إذ حين خرج كتب (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ)، وهي الآية التي ذكرها يوسف عليه السلام، يحمد فيها ربه، عجيب هذا الأدب العالي. وأما الدرس الأعظم والتي تأثرت منه حتى دمعت عيناي، فهو في حفل استقبال الأستاذ صلاح في مسجد كانو بعد صلاة المغرب، إذ حمد الإمام بعد إتمامه صلاة المغرب الله عز وجل على عودة صلاح اليافعي، في ذلك الحفل الذي ضم جمعا غفيرا جاؤوا بدافع الحب الأخوي، حضر في اللقاء من يعرفه ومن لا يعرفه، في ذلك الحفل الذي ضم صغارا وكبارا شيبا وشبانا، يباركونه الفرج ويحمدون الله على فضله، تجمع بعضٌ ممن انتفض من أجله، وقيلت بعض الكلمات الاستهلالية في ذاك اللقاء الأغر حتى جاء دور كلمة "صلاح" الذي أدهشني بانتقاء كلماته الرصينة، وبصفاء قلبه، وتسامحه البالغ، إذ بدأ كلمته بحمد الله تعالى على فضله، ثم أخذ — كعادته — ينشر دروسا تربوية فيقول: "قرأت سورة يوسف في السجن وكأنني أقرؤها لأول مرة في حياتي، وتذكرت كل من ابتلي بالسجن من الصالحين فعرفت أن سجني بسيط جدا"، ويضيف: "أدخلت إلى مكان مظلم لا أرى فيه يدي من شدة الظلام، فتذكرت يونس عليه السلام عندما ابتلي بالتقام الحوت له"، والأروع قوله حين قال للسجان: "والله إني لا أحمل في قلبي على أحد منكم كرها وما في قلبي لأهل الإمارات والصالحين منهم خاصة إلا كل الحب والتقدير"، وضمّن كلمته أبياتا رائعة إذ قال: "ضع في يدي القيد ألهب أضلعي.. بالسوط ضع عنقي على السكّين.. لن تستطيع حصار فكري ساعةً.. أو نزع إيماني ونور يقيني.. فالنور في قلبي وقلبي في يديْ ربّي.. وربّي ناصري ومعيني.. سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي.. وأموت مبتسماً ليحيا ديني".

صلاح، طغى نور قلبه على ظلمات السجن وغياهب الحبس فهو بخروجه من السجن خرج من نور إلى نور.

اللهم نوّر حياتنا بالإيمان.. آمين.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"