بقلم : نصر طه مصطفى الجمعة 18-05-2012 الساعة 12:00 ص

اليمن... عشرة أيام فاصلة!

نصر طه مصطفى

بتأجيل مجلس الأمن الدولي جلسته الخاصة باليمن والتي كانت مقررة قبل أمس الخميس إلى 29 مايو الجاري يتضح بما لا يدع مجالا للشك أن المجتمع الدولي قرر منح الرئيس السابق علي عبدالله صالح والقادة العسكريين من أفراد عائلته فرصة جديدة لتنفيذ القرارات التي تخصهم من جملة قرارات التدوير الوظيفي بين عدد من القادة العسكريين التي أصدرها الرئيس عبدربه منصور هادي أوائل الشهر الماضي... فبعد تدخل مباشر من المبعوث الأممي جمال بن عمر أثناء زيارته لصنعاء قام الأخ غير الشقيق للرئيس صالح اللواء الأحمر بتسليم قيادة القوات الجوية لخلفه اللواء الجند... ثم وفي اللحظة الأخيرة قبل مغادرة بن عمر لصنعاء قام نجل شقيق الرئيس صالح بعملية تسليم قيادة اللواء الثالث مدرع لخلفه العميد الحليلي، لكن المبعوث الأممي لم يكن يتوقع مطلقا أنها عملية صورية فبمجرد مغادرته تم الإيعاز لأركان حرب اللواء الأهم في قوات الحرس الجمهوري بالتمرد على القائد الجديد ومنعه من ممارسة مهامه حتى لحظة كتابة هذا... وقد سبب هذا التصرف غير اللائق مع ممثل المجتمع الدولي صدمة كبيرة لدى رعاة المبادرة الخليجية الإقليميين والدوليين الذين يمكنهم تقبل المماطلة في التعامل بل وتفهمها كأحد وسائل التفاوض لكنهم لم ولن يتقبلوا ممارسة الكذب في التنفيذ بعد انتهاء التفاوض... لقد صبروا ما يقارب شهرا كاملا على عائلة صالح وهي تماطل في تنفيذ القرارات لكن أن تقوم العائلة بتمثيلية تكذب بها على المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي فإنه أمر غير مسبوق ولم يحدث مع أي أحد من قبل في أي مكان في العالم... ومع ذلك فقد تلقى الرعاة الدوليون هذا التصرف بصبر وسعة صدر شديدين رغم استنكارهم له واستغرابهم منه لسبب بسيط وهو إدراكهم أنه لا خيار أمام صالح وعائلته سوى خيار واحد هو التنفيذ بقوة الشرعية الشعبية والانتخابية التي يملكها الرئيس هادي وبقوة الشرعية الدولية التي أقرت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية عبر القرار الأممي 2014.

يمتلك اللواء الثالث الذي كان يديره نجل شقيق الرئيس السابق ما يقارب ثمانين من أحدث الدبابات والمدرعات في الجيش اليمني وهو من الناحية العملية يحاصر العاصمة صنعاء ويضعها تحت رحمته باعتباره يسيطر على مختلف الجبال والتباب المطلة عليها... ويقال إن الرئيس السابق يعتبر أن تنفيذ قرار خلفه بتعيين قائد جديد للواء هو إنهاء لما تبقى له من أوراق قوة، فيما يقابل المواطنون مثل هذا الطرح بمنتهى الاستغراب والاستنكار، إذ يتساءلون عن ماهية احتياج صالح لأوراق قوة بعد أن سلم السلطة وتخلى عنها؟! هل ينوي العودة إليها في وقت لاحق؟ أم هل يعمل على نقلها لنجله ولو بعد حين؟ ويتساءل المواطنون باستغراب أكثر هل من المعقول أن يفكر صالح بالعودة للحكم سواء هو أو أي من أفراد عائلته بعد الثورة الشعبية السلمية التي أجبرته على التخلي عنه وهو يعلم أن مثل هذا الأمر يدخل في حكم المستحيل؟! إن التمرد على قرار الرئيس الجديد ورفض التغيير الذي حدث لا يعني سوى أن هناك سوء نوايا... فالرئيس هادي يريد تأمين نفسه وسلطته من خلال تغيير قائد هذا اللواء تماما كما كان سلفه يؤمن نفسه أثناء توليه الحكم بتعيين نجل شقيقه على رأسه... ويدرك رعاة المبادرة أهمية التغيير في هذا اللواء ولذلك اعتبروا قرار الرئيس هادي قرارا نافذا ولا يجوز التراجع عنه خاصة أن الرجل ينوي إخراج جميع معسكرات الجيش من العاصمة وسائر المدن بما فيها هذا اللواء والاكتفاء بقوات أمنية لحفظ الأمن العام كما هو حال كل دول العالم التي تنعم بالأمن والاستقرار.

من الملاحظ أن قرار مجلس الأمن بتأجيل اجتماعه الخاص باليمن إلى نهاية الشهر الجاري جاء في اليوم التالي لتوقيع الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) على قرار تجميد أصول الأشخاص الذين يهددون الأمن والسلام والاستقرار في اليمن وهو القرار الأول من نوعه الذي يصدر على هذا المستوى من الدولة الأقوى في العالم بخصوص اليمن... وكما هو معروف فإن القرار صدر بسبب إصرار الرئيس السابق علي عبدالله صالح وعائلته على إعاقة تنفيذ قرارات خلفه، فقد نفد صبر الإدارة الأمريكية من ممارسة المماطلة والكذب خاصة بعد أن تكشف لها بما لا يدع مجالا للشك أن الرئيس السابق لم يكن جادا بما يكفي في الحرب ضد الإرهاب والقاعدة مقارنة بالجدية التي أبداها الرئيس هادي والإصرار الذي أظهره بضرورة تخليص محافظة أبين من قبضة القاعدة... الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي لإيفاد مساعده لشؤون الإرهاب (جون برينان) الأحد الماضي إلى صنعاء لتقديم الدعم للرئيس هادي وتأكيد مساندتها له بكل السبل الممكنة، ولا تبتعد زيارة برينان بالتأكيد عن تقديم الدعم لهادي في مواجهة صالح وعائلته المتمردين على قراراته... ويبدو أن القرار الذي أصدره أوباما بخصوص اليمن كان أحد نتائج زيارة مساعده لصنعاء، رغم كل ما يقال عن أن الإدارة الأمريكية هي التي فضلت بقاء صالح في صنعاء كورقة ضغط على الرئيس الجديد وأحزاب اللقاء المشترك، بحجة أن واشنطن يمكنها – إن أرادت – أن تلزم أي دولة في العالم باستضافة الرئيس السابق للإقامة فيها... ورغم أنه لا يوجد ما يؤكد هذا التحليل إلا أن من يعتقدون صحته يؤكدون أن البيت الأبيض لم يمارس أي ضغط جاد على صالح منذ عودته إلى صنعاء عقب الانتخابات الرئاسية المبكرة أواخر فبراير الماضي إلا هذه المرة من خلال القرار الصارم الذي أصدره الرئيس أوباما الأربعاء المنصرم رغم أنه لم يسمي فيه أحدا وإنما فوض وزيري خارجيته وخزانته لتحديد الأشخاص الذين يقوضون أمن واستقرار وسلام اليمن ويعيقون تنفيذ المبادرة الخليجية أيا كانوا... وفيما تستعد دول الاتحاد الأوروبي لإصدار قرارات مماثلة فإن عشرة أيام منذ الآن تفصلنا عن اجتماع مجلس الأمن الذي سيستمع لتقرير بن عمر عن مستوى تنفيذ المبادرة الخليجية والأطراف المتعاونة والأطراف المعيقة... وفي ظني أنه سيكون على الولايات المتحدة وبقية الرعاة الإقليميين والدوليين الاستفادة من هذه الأيام العشرة لتمكين الرئيس هادي بصورة نهائية من كافة مفاصل السلطة السياسية والحزبية والأمنية والعسكرية لإنهاء التوتر وتحقيق الاستقرار المطلوب وتوفير أسباب النجاح لحرب مواجهة القاعدة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"