بقلم : مصطفى الصيرفي الخميس 18-07-2013 الساعة 12:00 ص

قائدٌ فاتحٌ متواضع

مصطفى الصيرفي

من عادة القادة الفاتحين المنتصرين أن يدخلوا المدينة المغلوبة بكبرياء وتفاخر تصحبهم كل مظاهر الغلبة والاستعلاء على القوم المغلوبين، وكان هذا شأنا عاديا يمارسه الغالب ضد المغلوب، فهل كان ذلك حال رسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين فتح مكة. وهل أذل أهلها الذين آذوه واضطهدوه وفعلوا بالمسلمين الأفاعيل. كلا، لقد بدّل ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلك القاعدة ودخل مكة المكرمة خاشعاً متواضعاً متخلياً عن كل مظاهر التشفي والانتقام والتكبر والاستعلاء وإليكم القصة:

حينما عزم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فتح مكة المكرمة ليعيدها إلى أهلها المؤمنين أعد جيشاً عظيما لم يكن للعرب عهد بمثله، وكان أبو سفيان أسيراً عند المسلمين وهو يتجسس عليهم، فاستعرض ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمامه الجيش ثم أطلق سراحه ليعود إلى أهل مكة فيخبرهم بما رأى فيرهبون ويخافون من قتال جيش المسلمين. رجع أبو سفيان إلى مكة ونادى بقريش بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد أتاكم بما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وهذا ما قصده الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحقن الدماء وأن يترك فرصة لقريش حتى تعود لرشدها وتدخل في الإسلام.

أما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ القائد المظفر الفاتح فقد دخل مكة على ناقته القصواء مطرقاً برأسه حتى كادت لحيته تمس واسطة الرحل، دخل مكة وهو يقرأ سورة الفتح مردفاً وراءه أسامة بن زيد خادم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يردف وراءه أحدا من أقاربه أو من قريش، ومر به رجل من قريش فكلمه، فأخذت الرجل الرعدة من هول ما رأى فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إني لست بملك وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد (اللحم المجفف).

ودخل ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكة بلا قتال وأمر المسلمين ألا يقاتلوا ثم توجه إلى الكعبة فكسر أصنامها، وكلما هوى صنم كان يقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.

ثم جمع ـ صلى الله عليه وسلم ـ قريشا عند الكعبة وخطبهم قائلاً: يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء، كلكم لآدم وآدم من تراب، ثم تلى قول الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". ثم التفت إلى رجال قريش وقال لهم: يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم اذهبوا فأنتم الطلقاء، ثم أمر بلالاً فأذن فوق سطح الكعبة وارتجت أرجاء مكة بكلمة الله أكبر ورجع الحق لأهله. هذا هو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبي الرحمة الفاتح الخاشع المتواضع، وسار على سنته قادة المسلمين من بعده، فما تكبروا وما استعلوا في فتوحاتهم بل كانوا مثال العدل والرحمة، حتى قال فيهم الكاتب الفرنسي المعروف غوستاف لوبون: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من المسلمين.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"