بقلم : نضال قسوم الثلاثاء 09-04-2013 الساعة 12:00 ص

كيف تغير المعلومات حياتنا

نضال قسوم

بين ما قبل التاريخ وحتى العام 2003، أنتجت البشرية كمّاً من المعلومات يقدّر بخمسة إكسابايت (ملايين الميغابايت) على شكل نصوص ورسومات وموسيقى وقياسات وحسابات، إلخ. وفي العام 2011 تم إنتاج نفس القدر السابق من المعلومات خلال يومين فقط. وفي عامنا الحاليّ 2013 سيكون بالإمكان إنتاج ذلك الكمّ كلّ عشر دقائق! إننا اليوم نسبح في بحر من المعلومات، بل سنغرق فيها إن لم نستطع مواكبة هذا المدّ الهائل بقدرة مناسبة على تحليل هذه الكميات الضخمة من المعلومات.

لقد ظهر مفهوم "المعلومات الكثيرةBig Data " لأول مرة في العام 2006، وصار شائعاً في العام 2012 عندما جعل البيت الأبيض ومنتدى دافوس الاقتصادي العالميّ (ومؤسسات مهمة أخرى) هذا المفهوم قضية مركزية تحتاج إلى متابعة واهتمام. ويتضمّن هذا الأمر فكرتين رئيستين: أولاً، نحن ننتج المعلومات حالياً بتزايد أسّيّ (متسارع)؛ ثانياً، نحن بحاجة إلى أساليب جديدة لتحليل المعلومات، إذ إنّ الأساليب القديمة لم تعد قادرة على مجاراة هذا النوع من المعطيات.

وحيثما التفتنا نجد إنتاج المعلومات يتم بوفرة من خلال كلّ نشاط في حياتنا المعاصرة: بواسطة حواسيبنا وهواتفنا الذكية وكاميراتنا وأنظمة تحديد الموقع GPS، بالإضافة إلى مختلف الأجهزة الرقمية الأخرى والمجسّات والماسحات كافّة، مثل التجهيزات الطبية وأدوات البحث وأجهزة الأمن وغيرها.

ولقد كان للشبكة العنكبوتية (الإنترنت) الدور الأعظم في ثورة " المعلومات الكثيرة" هذه: فهناك 200 مليون من رسائل البريد الإلكتروني يتم إرسالها كلّ دقيقة، و20 مليون من التغريدات على "تويتر" كلّ ساعة، ومائة ألف ساعة بثّ للفيديوهات تُرفع على اليوتيوب كلّ يوم، وبلايين من التدوينات تضخّ المعلومات باستمرار. أليس من المثير أن نعلم أنّه خلال ساعة واحدة فقط يستطيع تدفّق المعلومات الذي توفّره شبكة الإنترنت ملء 10 بلايين من أقراص الـDVD، وهو كمٌّ من الضخامة بحيث لو تمّ تكديس هذه الأقراص فوق بعضها لبلغت ارتفاعاً أكبر بعشر مرّات من ارتفاع قمة إفرست! ليس هذا فحسب، بل إن هذا الكمّ يتضاعف مرتين كلّ 20 شهراً.

حسناً، إنّ ما ذكر أعلاه يجلب معه بعض الأخبار الطيبة وبعض الأخبار السيئة أيضاً.

دعونا نبدأ بالجانب الأكثر إشراقاً من المسألة. إن المزيد من المعلومات يعني المزيد من فرص المعرفة، وبالتالي تحسينات أكبر على حياتنا والمزيد من التقدم للإنسانية. خذوا مثلاً كيف يمكن لتسجيل سلوك المستهلك (من خلال التخزين القانوني لمعلومات بطاقات الائتمان، وبيانات التسوّق وبحثنا على الإنترنت) وكذلك رصد عادات العمّال، كيف يمكن لكلّ ذلك أن يزيد من الإنتاجية ومستوى المبيعات.

لقد أشارت دراسة حديثة شملت 179 من كبرى الشركات إلى أن الجهات التي عملت على الاستفادة من "المعلومات الكثيرة"، ووضعتها في صلب استراتيجيتها، استطاعت أن تزيد من الإنتاجية بنسبة 5 إلى 6 بالمائة، اعتماداً على هذا العامل فقط. أما ما هو أكثر أهمية لسوق العمل، فقد خلُص تقرير صدر العام الفائت إلى أن الولايات المتحدة تحتاج وحدها ما بين 140.000 و190.000 من العاملين القادرين على التعامل مع البيانات، وقدّر التقرير أن 1.5 مليون من المديرين بحاجة أن يكونوا ذوي قدرة على "قراءة البيانات".

وفي العلوم، أصبحت "المعلومات الكثيرة" جزءاً من هيكلية البحث، خاصةً في المشاريع العلمية الضخمة مثل الجينوم البشري، والمسح الرقميّ للسماء، والمصادم الهادروني الكبير. ففكّ شفرة الجينوم البشريّ استغرق عشر سنوات وكلّف 100 مليون دولار في أول مرة تم تنفيذه (منذ عقد من الزمن)، بينما يمكن تنفيذه حاليا خلال أسبوع بكلفة أقلّ من 10 آلاف دولار، وسيكون بالإمكان تنفيذه قريباً خلال يوم واحد وبكلفة ألف دولار فقط، أي أسرع بـ500 مرة وأرخص كلفة بـ100 ألف مرة عن ذي قبل. وبالمثل، اكتشف الباحثون في المصادم الهادروني الكبير جسيم "هيغز" فقط لأنهم استطاعوا انتقاء حدث واحد من بين 6 مليون خلال كلّ ثانية وحلّلوا البيانات على مدى 6 أشهر. إنه أمر أشبه بالعثور على إبرة في تلّة من القشّ.

وحتى المجالات المتنوّعة الأخرى مثل العلوم السياسية والرياضة فإنها تتطلّب الآن خبرة في تحليل البيانات، حيث يمكن لتأثير صغير مستخرج من "أطنان" من المعلومات أن يقدّم تفوّقا على المنافسين. على سبيل المثال، من خلال تحليل أنماط تعبير مستخدمي الفيسبوك "بالإعجاب" أو رصد اختياراتهم في قراءة بعض الأخبار ومتابعتهم لها يمكن تطوير استراتيجيات للحملات الانتخابية وجذب اهتمام الناخبين.

في المقابل، فإن "المعلومات الكثيرة" يمكن أن تتحوّل – إن لم نكن حذرين – إلى ما يسمى بـ"الأخ الأكبر" (المراقب الأكبر) بما تمثله من معرفة مفصّلة لمجاميع الناس وبالتالي من وصاية عليهم. فقد ظهرت شركات متخصصة بجمع البيانات وبيعها (تُعرف بـ"سماسرة البيانات")، تجني أرباحاً هائلة من بياناتنا دون علمنا.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"