بقلم : عبد الوهاب الأفندي الأحد 23-06-2013 الساعة 12:00 ص

الطوائف تقتتل على الدنيا لا على الدين

عبد الوهاب الأفندي

لم أحضر المؤتمر السادس لمنتدى الوحدة الإسلامية الذي انعقد ابتداءً من يوم الجمعة الماضي في العاصمة البريطانية لندن، ولم يكن السبب الوحيد هو غيابي في رحلة خارج بريطانيا، إذ لو كنت هنا لما كلفت نفسي عناء حضور هذه المناسبة التي لا تخدم قضية الحوار. ويكفي أنني لم استشر في أي من ترتيبات هذا اللقاء، بل لم أخطر به مسبقاً، رغم أنني من المؤسسين للمنتدى المذكور، وإنما تلقيت الدعوة مثل سائر الناس. وإذا كان القوم يرفضون الحوار مع بقية مؤسسي المنتدى، فكيف يزعمون أنهم من أنصار الحوار بين طوائف الأمة التي ترفع السيوف على بعضها البعض؟

بحسب الأسماء التي وردت في تغطية اللقاء، فإن اللقاء الذي لم تحضره شخصيات ذات تأثير في الأمة لم يعد كونه حملة علاقات عامة لبعض الأنظمة. وقد خلا البيان الختامي من أي ذكر للصراعات التي تمزق الأمة في سوريا والعراق ولبنان والبحرين وغيرها، واكتفى بعبارات عامة مثل "التأكيد على وحدة الأمة" وعلى "حرمة استباحة دماء المسلمين من أهل القبلة بأي ذريعة" و"التصدي لمثيري ثقافة الكراهية بين المذاهب" و"نشر ثقافة التسامح والتقارب بين أبناء الأمة الواحدة".

يذكرني هذا باللقاءات التي دأبت بعض المنظمات الطوعية لترتيبها بين الشباب الفلسطيني والإسرائيلي، أو بين المسلمين واليهود في بلدان عدة، لنشر "ثقافة التسامح" بين العرب واليهود والحوار الديني والتقريب بين الأديان. فهل الخلاف بين الفلسطينيين واليهود هو خلاف على المذاهب والعقائد؟ أم هل الفلسطينيون محتاجون لتعلم "التسامح" الديني حتى يقبلوا بأن تهدم بيوتهم ويهجروا منها؟ وكيف يمكن أن تنظم "معسكرات" حوار بين الشباب في فلسطين المحتلة فيما يتعرض المشاركون الفلسطينيون للإذلال على الحواجز، أو قد تهدم بيوت بعضهم أثناء الاجتماع؟

بنفس المنطق، هل كان أي حوار مع قادة نظام صدام حسين حول هامشية الخلاف بين السنة والشيعة يجدي نفعاً ويمنع قمع النظام؟ بل حتى في إيران اليوم، هل الخلاف بين موسوي والخامنئي هو حول عصمة الأئمة أو نصرة الحسين عليه السلام؟

عندما اندلعت الحروب في صفين وكربلاء لم تكن هناك ذرة خلاف ديني بين المسلمين. كان الجميع يصلون في نفس المساجد، ويروون نفس الأحاديث ويتعبدون بنفس الطريقة. ولكن الثابت هو أن الصراع على الحكم كان سياسياً محضاً غلف بغلاف ديني فيما بعد.

ما سمي بالفرق الدينية في صدر الإسلام لم يكن سوى أحزاب سياسية بغطاء ديني. فالخوارج كانوا الفئة المناهضة للوضع السياسي العام، وكانت تكفر كل من يخالفها. أما المرجئة، فكانوا أنصار الوضع القائم، ويرفضون انتقاد أي جهة، بينما كان المعتزلة إصلاحيين يوجهون النقد للأوضاع القائمة ولكن باعتدال "وسطي". القرآن أكد أن الخلافات بين أتباع الديانات السماوية حتمية، وإنما مصدرها البغي: "وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم". فما وقع في كربلاء وغيرها من عدوان غاشم على مدنيين أبرياء عزل من قبل سلطة غاشمة لمجرد الخلاف في الرأي كان البغي بعينه. وإنما يكون حسم الخلاف بالتصدي للبغي والبغاة ونصرة المظلوم. وليس هناك معنى لوجود الأمة الإسلامية إلا بالقيام بواجبها الوجودي في الشهادة لله بالقسط ولو على الأنفس والأقربين، وبالأخص على الأنفس والأقربين.

بنفس القدر فإن كل ما أنتجته الأحزاب السياسية المتنكرة دينياً من أساطير تنسجها كانت ملونة بالغرض السياسي وتحتاج لكثير من المراجعة والتمحيص. ولكن الأسوأ حين تستخدم هذه الأساطير في عكس ما تمثله وترمز له. فعندما يتعرض أهل القصير للتجويع والعطش والعسف تماماً كأصحاب الحسين في كربلاء، ثم يأتي مجترحو هذه الجرائم اليزيدية لينصبوا رايات تدعي وصلاً بالحسين فوق المساجد التي هدموها بأسلحة وردتهم من عاصمة الكفر والقهر موسكو وبرضاها ومباركتها، فإن هذا يمثل عدواناً على الحسين عليه السلام أسوأ من جريمة كربلاء. فتلك جريمة أودت بالأجساد وكتبت لضحاياها الشهادة. أما هذا التشويه لرسالة الحسين ورمزيته فهو عدوان على مبادئه وما استشهد من أجله، وتدمير لرسالته.

من هذا المنطلق فإن الحديث عن خلافات طائفية ومذهبية مع إهمال الخلفيات السياسية والواقعية لهذه الخلافات هو من باب خداع النفس على الأفضل، والالتفاف على الأمور وليّ عنق الحقيقة على الأرجح. فالاستخدام السياسي للطائفية يبدأ بالعدوان على الطائفة المزعومة وفرض سطوة زعيم فرِض عليها، وافتعال العداوة مع الآخرين للظهور بمظهر المدافع عن الطائفة. والدكتاتور لا تهمه عقيدة من يخالفه، لأن قسوة الأسد على مخالفيه العلويين أشد من قسوته على غيرهم، وكذلك صدام مع مخالفيه من السنة.

إذا أردنا إصلاح ذات البين وسط المسلمين فإن البداية تكون بكف البغي والعدوان بينهم، والانتصار للمظلوم من الظالم، وفي أضعف الإيمان إنكار الظلم صراحة وبدون أي مواربة وتلجلج. فلن تقوم علاقة وفاق بين الناس على ظلم وكذب وتخادع، ولا ينبغي، أما تصوير صراع الدنيا على أنه صراع دين فهو كذب على الله ورسوله.

بنفس القدر لا نحتاج إلى مراجعة الكتب السماوية حتى نعلم علم اليقين أن في سوريا اليوم طائفتين، واحدة تمارس الإجرام وتقتل وتدمر من دون وازع من دين أو خلق، ولا يهمها من يموت أو يهجر من أجل أن تبقى في السلطة، والأخرى تدافع عن نفسها ضد البغي والعدوان والقهر.

وفي كل طائفة قوم من كل الأديان والمذاهب. وهنا نحتاج إلى اتباع مقولة الإمام علي عن أن الرجال يعرفون بالحق، وليس العكس. فمن ينحاز للإجرام فهو مجرم أياً كان دينه، والعكس كذلك.

وكل من يزعم أن الإسلام يبرر الإجرام فإن الله بريء منه ورسوله والمؤمنون. وهذا هو أساس الحوار والتلاقي. فالأمة لن تتواطأ على ظلم ولن تجتمع على ضلالة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"