بقلم : د. محيي الدين تيتاوي الجمعة 27-12-2013 الساعة 12:00 ص

بأية حال عدت يا عيد !!

د. محيي الدين تيتاوي

إن دستور أي بلد إذا لم تتوافق عليه القوى السياسية المؤثرة فإنه يصبح كأنه لم يكن مؤقتاً غير مقنع لجميع فئات الشعب، بمعنى أن الدستور.. أي دستور، لا بد أن يحوز على موافقة معظم أفراد الشعب إن لم يكن جميعه.. في صيغة مبالغة.. وبلادنا ومنذ أن نالت استقلالها المعلن عام 1956 لم تشهد الأمن والاستقرار بسبب عدم توافق القوى السياسية على الدستور الذي يحدد الهوية ويحدد كيف تحكم البلاد وينظم الحياة وتصدر بموجبه القوانين بعد ذلك وتقدم أو تنشأ المؤسسات المرتبطة بالإنسان وحقوقه في التعبير والتنظيم وجميع الحقوق الأساسية التي وردت في هذا الشأن عبر الشرائع والأعراف والعهود والمواثيق الدولية المعروفة.

وبكل أسف إننا بهذا نفرغ استقلالنا من معانيه ومضامينه ونحيله إلى شبح أو هيكل عظمي أو صورة سالبة لحقيقته بأنه عبارة عن حريات وحقوق وأمن واستقرار ورضا كامل.. لماذا!؟ لأننا لم نتفق حتى على عملية الاستقلال نفسها، أي أنه كان هناك انقسام حوله، هل تستقل بلادنا وتصير سيدة نفسها أم تستقل من إنجلترا وتستمر تحت تاج الملكية في مصر أم يستمر الاستعمار البريطاني وينزل العلم المصري من على سارية القصر الذي حكمنا من عليه الحكم الثنائي الإنجليزي المصري.. لم يكن هناك اتفاق بين القوى السياسية السودانية وكان إعلان الاستقلال من الحكم الثنائي من داخل البرلمان وإنزال العلمين الإنجليزي والمصري معاً وهذا الموقف الذي حدث لم يرض الأطراف التي كانت لها وجهات أخرى غير نيل الاستقلال الكامل من قبضة وكابوس الحكم الثنائي البغيض.

وكان ذلك سبباً رئيسياً على ما جرى بعد عام واحد من عمر استقلال السودان وبداية الحكم الوطني.. فتم تسليم السلطة للقوات المسلحة في شكل تسليم وتسلم.. وكان أول خرق لدستور لم يستو ولم يذق الشعب السوداني حلاوته.. لا لأن حكم العسكر كان سيئاً بقدر ما إن العملية في حد ذاتها كانت نكوصاً وتراجعاً لأسباب المكايدة وعدم القبول بالرأي والرأي الآخر وعدم التوافق حول القضايا الرئيسية التي كانت تحتاج إلى الصبر والتعقل والتضحية بدلاً من سن تلك السنة التي أقحمت القوات المسلحة في أتون السياسة وأوحالها وعطلت بذلك مشاريع الدستور التي جاءت من بعد ذلك وإلى يومنا هذا.. ونحن نعيش ونعايش تلك القوى التي تضع الشروط وتتمنع وترفض جميع المقترحات التي من شأنها أن تحقق قدراً من التوافق بين القوى السياسية لكي تتواضع على دستور دائم ينظم جملة القضايا الخلافية التي تعطل مسيرة البلاد طيلة ما يقارب ثلاثة أرباع القرن أي فترة تزيد الفترة التي حكم السودان فيها الحكم الثنائي وزرع فينا القبلية وعدم الاعتراف بالآخر ومارس سياسة فرق تسد وأصدر قانون المناطق المقفولة وحرض السودانيين على بعضهم البعض ومضت فينا تلك السنة السيئة.

ويجيء الاستقلال وتمر علينا ذكراه العطرة.. وتفاءلنا بذلك كثيراً حتى نذوق حلاوة الاستقلال الكامل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، غير أن الحال لا يزال يراوح مكانه والخلافات غير الموضوعية تغطي سماوات السياسة السودانية... والصراع على السلطة وكراسي الحكم بالحق وبالباطل ما زال متفاعلاً.. والارتباط بالمستعمر وتحت أجندته ما زال يعيش بيننا.. وعرقلة التنمية والسلام والوحدة ما زالت أهدافا يسعى الشعب لبلوغها.. ولكن القيادات السياسية ما زالت تراوح عند أو مسمار غرزه المستعمر في جسد الاستقلال وما زال الساسة يتصرفون ويتحدثون بلغة وأدب ومفاهيم الخمسينيات، ولذا فإننا نقول:

عيد بأية حال عدت يا عيد.. بما مضى أم بأمر فيه تجديد!؟ ولا إجابة

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"