بقلم : خالد وليد محمود الجمعة 03-01-2014 الساعة 12:44 ص

التجسس الأمريكي.. إخفاقان بفضيحتين!

خالد وليد محمود

ليس جديدًا أن تشهد العلاقات الأمريكية الأوروبية ما تشهده اليوم من توتر على خلفية التجسس الأمريكي على الأوروبيين وزعمائهم. لقد شهدت هذه العلاقات الكثير من المحطات احتاج معها الطرفان إلى "بداية جديدة"، كان أبزرها عام 2005 عندما برزت نتائج سياسات إدارة جورج دبليو بوش في العالم وتأثيرات هذه السياسات على العلاقات الأطلسية.

لكن ما تثيره أزمة التجسس في فترة إدارة الرئيس أوباما، لا بد وأن تكون أعمق مما خلفته إدارة بوش الابن على الحلفاء. فمنذ أكثر من عقدين وتحديدا عام 1992 شرع الاتحاد الأوروبي عبر مفوضيته بتشكيل بنية لمؤسسة أوروبية تقوم على شؤون الأمن والسياسة الخارجية، سعت إلى التوفيق النسبي بين مواقف دول الاتحاد المتناقضة والمتباينة. لكن بقي الأوروبيون في خلفية المشهد الأمريكي في الكثير من الملفات العالمية، مع بعض التميز المحدود الذي أبدته فرنسا وبريطانيا وألمانيا ولجنة الأمن والسياسة الخارجية، في بعض الملفات.

حاول الرئيس الأمريكي باراك أوباما امتصاص صدمة حلفائه على "فضيحة التجسس" بقوله بأنهم "يتجسسون أيضا، فدعونا نتحاور.. وسوف نقوم ببعض التغييرات". مما دعا رئيس الوزراء الروسي لطرح سؤال مباشر: من سيصدق التصريحات الأمريكية التي تقول أنهم لن يتنصتوا على أصدقائهم مرة أخرى؟ وحتى تصبح التعهدات الأمريكية ذات مصداقية يبدو أن أنصار الحفاظ على الخصوصية حول العالم لن يهدأ قريبًا. وواشنطن تبقى تراوح أمام خيارين إما الالتزام بهذه المبادئ التي تتحدث عنها أو الحرص على عدم تسرب أساليبها التجسسية مرة أخرى ولكن هل تستطيع؟ وهل تقدر أيضًا ترميم الثقة التي تصدعت مع أقرب حلفائها خاصة فما يتعلق بالتنسيق في تبادل المعلومات الأمنية والاستخبارية؟

الملاحظ لغاية الآن من ردود فعل المسؤولين الأمريكيين على فضيحة التجسس هو أنهم يبررون هذا الفعل بهاجس الخوف من الإرهاب، أو تفسيره ضمن سياق "مكافحة الإرهاب" أو ما تسمى "الحرب ضد الإرهاب"، التي بدأ الحديث عنها على خلفية هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2011، وبالتالي، فإن ما تقوم به وكالة الاستخبارات الأمريكية يستند إلى القول الدارج في السياسة الميكافيلية وهي "الغاية تبرر الوسيلة". من هنا نرى أن واشنطن تتجسس مدركة تماما أن عالما بنى سياسته على مفاهيم ميكافيلية سيتعامل مع الأدوات– رفضا وقبولا - وفق قدرتها على الوصول إلى الهدف، وليس استنادًا على القبول الأخلاقي بها. لهذا نرى الإدارة الأمريكية تصرّح بأنها تقوم بعملية مراجعة شاملة لأساليب جمع المعلومات الاستخباراتية؛ وبنفس الوقت تقوم بتذكير أصدقائها وحلفائها بأهمّيّة التجسّس الذي تشاركهم فيه.

إن ممارسة الرقابة في هذه الحادثة، مثل غيرها الكثير، إنما يدعو إلى القلق وذلك بسبب الافتقار إلى الشفافية بعد أن ساور الملايين من المستخدمين الكثير من الشك بشأن حقوقهم في حرية التعبير بعد التجسس على الرسائل والمحادثات التي يجرونها.

يظهر أن الولايات المتحدة تطبق سيطرتها التجسسية على العالم "مواطنين ومسؤولين"، فبينما هي تفعل ذلك مع المسؤولين تتكفل شركات الإنترنت لديها بالتجسس على مواطني العالم العاديين، لهذا قال جوليان أسانج مدير موقع "ويكيليكس" إن "الفيسبوك" أكثر أداة تجسس مرعبة ابتكرها الإنسان في تاريخ البشرية، خاصة وكالة الاستخبارات الأمريكية التي تطلع على كافة بيانات البشر في شتى بقاع الأرض.

لكن ما يدعو إلى الريبة أن المسؤولين الأمريكيين لم يظهروا ندما كافيا على ما فعلوه، بل إن "نيويورك تايمز" نقلت في أحد تقاريرها تأكيد أن المسؤولين الأمريكيين يرون ضرورة مواصلة التجسس على الدول.

إنّ اتساع رقعة قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على التجسس أكبر بكثير مما يمكن رصده، وعلى حد وصف المدير السابق لوكالة الأمن القومي الأمريكي ووكالة الاستخبارات الأمريكية، مايكل هايدن، "فإن عسكرة الإنترنت الذي اتبعته وكالة الأمن القومي الأمريكي له ما يبرره، نظرا لأن تداول أغلب البيانات على الإنترنت يتم عبر خوادم أمريكية، وأيضاً لأن الإنترنت اختراع أمريكي سيذكر العالم كله أمريكا لأجله، كما يذكر الرومان حالياً للطرق التي شيدوها، بحسب تعبيره.

هذا الإخفاق الذي يصيب إدارة واشنطن لملفها الأمني يذكر العالم اليوم بزلزال وثائق ويكيلكس، لكنه اليوم ليس إخفاقا إداريا يمكن تفهمه، بل كارثة يضاعف حجمها تعثر اقتصادي ومالي، أنتج مع أسباب موضوعية أخرى شللا أمريكيا تارة وتخبطا تارة أخرى في ملفات كثيرة أزعج حلفاء، إلى حد وصف ذلك ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، إن "أعداء أمريكا لم يعودوا يخشوننا، أما أصدقاؤنا فلم يعودوا يعتمدون علينا لأنهم لم يعودوا يثقون بنا".

إخفاقان بفضيحتين: برادلي مانينغ وإدوارد سنودن

اليوم، من حق الأوروبيين الشك بأن إجراءات أمنية يتعرضون لها من قبل حليفهم الاستراتيجي "العم سام" وما زالت طي الكتمان من دون الكشف عنها. وإذا كانت ويكيلكس قد وضعت علامات استفهام حول قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على إدارة وثائقها السرية، فإن العالم مجددا قد وضع علامات استفهام أكبر حول الخطوط الحمر والمحاذير التي تضعها واشنطن نصب عينيها في علاقاتها مع حلفائها.

ما يدعو إلى الاستغراب استناد البعض في رفضه للتجسس الأمريكي على الحلفاء إلى العامل الأخلاقي، حتى كتب عدد من الكتاب عن حاجة العالم لثورة أخلاقية جذرية، رغم أن المستند الأخلاقي في تعامل الدول مع بعضها لبعض كان منذ الأزل ولا زال خاضعا لعامل المصالح فقط.

في الحالتين، "ويكيلكس والتجسس على الحلفاء" كان السبب وراءهما مواطنان أمريكيان قادهما موقعهما إلى معرفة تصادمت مع ما يسمعانه من الخطاب الأخلاقي للسياسة الأمريكية. الأول: الجندي الأمريكي برادلي مانينغ الذي سرب آلاف الوثائق السرية لموقع ويكيليكس الإليكتروني، والثاني إدوارد سنودن، الذي عمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ووكالة الأمن القومي، وقام بنشر معلومات سرية خاصة بعمل الوكالة.

خلاصة

لقد أحدثت أنشطة التنصت الأمريكية قدرًا كبيرًا من الحرج الدبلوماسي مع الخصم والصديق على حد سواء ورغم أن رأس هرم الدبلوماسية الأمريكية حاول امتصاص نقمة غضب الحلفاء حين اعترف أن بلاده ذهبت بعيدًا في أنشطة التنصت وأن الإدارة الأمريكية ستحرص على عدم تكرار هذا الأمر مستقبلًا. ويبدو أن الرئيس الأمريكي الذي تكاد أن تلتصق فضيحة التجسس باسمه أمر وكالة الأمن القومي الأمريكي بوقف التنصت على الصندوق والبنك الدولي والأمم المتحدة في النيويورك وذلك من أجل تفادي ما يمكن تفاديه من تدهور للعلاقات الأمريكية مع حلفائها وأصدقائها.

فثمة محددات كثيرة تجعل من الصعب أن تهجر دول الأطلسي بعضها البعض بسبب الطلاق العاطفي الذي أصاب علاقاتها مع أمريكا. فهناك روسيا الراغبة في الظهور على خشبة المسرح كقوى قطبية مجددا، وهناك ملفات مصر وسوريا وهناك ما تعانيه أمريكا من أزمة مالية، وهناك الملف الإيراني وما يحمله من تهديد على أمن دول الشمال، إضافة إلى إسرائيل.

من المؤكد أن ذيول عملية التجسس لن تتوقف، وستتواصل تداعياتها لفترة زمنية على العلاقات الأمريكية الأوروبية، لكن الطرفين لن يذهبا بعيدا في تمادي تأثير هذه الفضيحة على علاقاتهما، وبالتالي لن تكون هذه الأزمة سوى سحابة صيف في مسار العلاقات بين ضفتي الأطلسي، بعد أعلنت دول أوروبية عديدة أنها ستسعى إلى إيجاد أرضية تفاهم مع واشنطن قبل نهاية هذا العام فيما يتعلق بمسائل ووضع تصور أمني معلوماتي عالمي جديد ملزم للجميع ضمن إطار الأمم المتحدة، وستحل الأمور بالتفاهم وليس بقطع العلاقات الإستراتيجية إلا أن ذلك سيحتاج إلى جهد استثنائي تبذله الدول الأطراف لترميم العلاقات المأزومة عبر الأطلسي لكن الأمور قد تشتد أكثر إذا ما كشف ادوارد سنودين عن المزيد من المعلومات أو السرية.

التعليقات1

تعليقات

  • دعاء 04/01/2014 18:03:35

    في عام 2000 ثار جدل كبير حول خصوصية المعلومات الشخصية في الولايات المتحدة وأوروبا عندما كشفت الجهات المسئولة في المباحث الفيدرالية الأمريكية أنها قامت بتطوير برنامج دعته كارنيفور أو "الملتهم"، ووظيفته التجسس على جميع أنواع الاتصالات التي تتم عبر إنترنت.وعزز هذا الإعلان المخاوف التي كانت موجودة أصلا لدى مجموعات حماية الحرية الشخصية في الولايات المتحدة، بسبب وجود شبكة تجسس عالمية أمريكية أوروبية اسمها هو "إيشيلون Echelon" أسستها وكالة الأمن القومي الأمريكي NSA بالتعاون مع عدد من المؤسسات الاستخبارية العالمية، بهدف التجسس على كافة الاتصالات الرقمية، والسلكية، واللاسلكية، وحتى الاتصالات عبر الأقمار الصناعية

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"