بقلم : خالد موسي دفع الله الجمعة 10-01-2014 الساعة 12:56 ص

جديرون بالاحترام: ضد هيكل في إفاداته الأخيرة عن السودان (1-3)

خالد موسي دفع الله

السودان عبارة عن (جغرافيا فقط).هكذا لخلص الأستاذ محمد حسنين هيكل السودان في إفاداته التي قدمها لقناة سي بي سي المصرية الأسبوع الماضي في حوار شامل تحت عنوان (مصر أين؟ ومصر إلى أين) في خواتيم العام 2013. وهي عبارة تكشف في معناها الخفي أن السودان ليس شعبا أو أمة أو دولة. ولم أجد وصفا يليق بهذا الحكم سوى أنه يمثل استعلاء فارغا وجهلا مسفا لعلامة بارزة في تاريخ الصحافة العربية. وقد طوف هيكل كعادته في مثل هذه اللقاءات على تطورات الوضع الإقليمي والداخلي، متحدثا عن النظام العربي الإقليمي وأشار إلى أن مصر فقدت قوتها الناعمة المتمثلة في الثقافة والفن التي تكونت عبر حقب متطاولة، وقال إن عام 2014 سيكون حاسما لمستقبل مصر الذي يعتمد استقراره على التحالفات الإقليمية، وانتقد رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان وقال رغم أهمية تركيا إلا أن أردوغان تسيطر على ذهنه الأساطير لأنه فقد مصر بسهولة وأبدى حماسا للعلاقات مع إيران، كما انتقد سياسة قطر في المنطقة مؤكدا أن الغنى لا يصنع قوة. وأنا أشاهد هذه الحلقة تذكرت النقد الهادر الذي واجهه الدكتور سيار الجمل عندما نشر كتابه (في تفكيك هيكل) الذي هاجم فيه منهجية محمد حسنين هيكل وعده متطفلا على التاريخ السياسي وقال: هو مجرد صحفي وليس مؤرخا سياسيا مؤكدا أنه لن يقبل به طالبا في الفصل لأنه لا يملك المؤهلات العلمية الكافية لأداء هذا الدور الذي يدعيه لنفسه.

ظلت علاقة هيكل بالسودان تعاني من ذات الحساسيات التاريخية مع الشقيقة مصر، وهي ما عرف عند النقاد بأزمة الهيكلين. وهو الدكتور أحمد حسنين هيكل الذي كتب (عشرة أيام في السودان) وهي مشاهداته لدى افتتاح خزان سنار عام 1925. وعدت النخبة السودانية كتابه تشويها وإساءة للسودان عندما عاب طعام أهله ووصف بعض نسائه في المزارع والأرياف بما لا يليق. مما حدا بالبعض أن يرد عليه كتابة، ومن ثم ألف المؤرخ محمد عبدالرحيم كتابه (دفع الافتراء) ردا عليه.أما الأزمة الثانية فهي مقال محمد حسنين هيكل عام 1964 (ثم ماذا بعد في السودان) الذي أنكر فيه أن تكون أكتوبر ثورة حقيقية.فهاجمه جيل أكتوبر. وجاءت حادثة احتكاكه مع الرئيس الأسبق جعفر نميري في الطائرة والتي يقول الرواة أنه لكمه في وجهه حتى تدخل الرئيس السادات قائلا (ده إيه ده يا جعفر).

وظل هيكل يتحاشى زيارة السودان رغم تطوافه الذي لا ينقطع على العواصم العربية والإقليمية. وعندما التقت به مجموعة من المعارضة السودانية بقيادة المرحوم د. عمر نور الدائم في التسعينيات بترتيب من الصحفي الراحل يوسف الشريف وصفوه بأنه (مثل شجر الدليب ترمي بظلها بعيدا عن أهل البيت) مما يعني أنه يتحاشى الدخول في معمعان السياسة السودانية خوفا من إستثارة الحساسيات التاريخية.

عندما طالعت إفادات وزير خارجيتنا مولانا علي كرتي مؤخرا في حوار صحفي بشأن تسليم مصر ذخيرة فاسدة أي (فشنك) للسودان في صفقة مشتركة تذكرت موقف الكوميديان عادل إمام في مسرحية (الواد سيد الشغال) عندما أراد الدخول على زوجته ولم يكن يدرك أنه كان محللا فقط لسيدته التي يعمل معها حتى يتزوجها مجددا طليقها الثري.ولما رفضت أن يمسها قال لها (أنت عايزة صحبي يقول علي فشنك). ولما أفتى المأذون بعدم صحة طلاقه منها حتى يدخل بها قال (الله أكبر).

والأمر لدى النخبة السياسية في السودان لم يكن مجرد ذخيرة (فشنك) بل مسيرة تاريخ وسلوك مستقر ونظرة مستعلية،وصورة مبتسرة للشخصية السودانية في الذهن الشعبي والسينما المصرية التي تختزلها في شخصية (عثمان البواب).هذه الأشياء الصغيرة تتطور لتصبح موقفا صلبا، لذا ظلت صورة مصر في الذهن الشعبي السوداني أقرب إلى شخصية (منسي) ذي الأصول المصرية في عمل الطيب صالح الإبداعي الذي كان يرى الدنيا عبارة عن ضحكة كبيرة ممتدة وغش متواصل(إن الحياة نكتة كبيرة وضحكة متصلة وفهلوة لا تنقطع وضرب من شغل الحلبسة). وقد هلل السودانيون عندما قدم الممثل يحيى الفخراني مسلسله الشهير (الخواجة عبدالقادر) وظنوا أن هذا العمل هو البداية لتغيير الصورة النمطية للإنسان السوداني الذي أبرزه المسلسل بأنه من أهل التصوف والعرفان والحقيقة.

إن إفادات الأستاذ هيكل الإعلامية عن السودان في نهايات عام 2013 لا تخرج عن سياق آرائه التاريخية عن السودان التي ظل يرددها منذ مطلع الخمسينات. وهي تعبر بصدق عن أزمة الذهن السياسي المصري عن السودان وهي أن (الملك فاروق هو ملك مصر السودان) وأن السودان يستمد أهميته فقط من أنه حديقة خلفية للنفوذ المصري، وظل السودان في هامش الهم الاستراتيجي المصري إلا عند الضرورات القصوى التي تهدد الأمن القومي المصري. وقد كشف هيكل عن نظرته تلك في مراسلاته السرية المحظورة إلى الرئيس الأسبق (حسني مبارك) والتي نشرها بعد ذلك في كتابه (زمن حسني مبارك) بعد ثورة 25 يناير.

يقول هيكل.. "وعلى سبيل المثال أخيرًا، فإن مصر عقدت مع السودان اتفاق تكامل - لم أكن متحمسًا له، وإن لم أكن بالتأكيد ضده - لكن كل شيء لابد أن يجيء بمعيار، خصوصًا أن تلك لم تكن المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة التي توقع مصر فيها مثل هذا الاتفاق مع السودان. وظني أن التكامل - إذا أريد له أن ينجح - يحتاج إلى ما لا يملكه الطرفان الآن من الموارد والحقائق! وفي بداية الأمور ونهاياتها، فإن الالتفات للسودان - مع فائق أهميته - ليس بديلاً عن دور مصر العربي - وبالغ خطورته. وقد أكون مخطئًا - يا سيادة الرئيس - فيما رأيت ولاحظت، لكني أصدر فيما أقول عن نظرية للأمن القومي المصري، أؤمن بها".

هنا وضع هيكل كفتين لموازين الأمن القومي المصري، إما الالتفات إلى البعد العربي، ودور مصر الإقليمي أي الاهتمام بقضية فلسطين والصراع التاريخي مع إسرائيل، أو التركيز على البوابة الجنوبية وهي السودان.ولا يخفي هيكل ترجيحه لكفة التوجه نحو الشمال الشرقي أي الاهتمام بقضية الصراع العربي الإسرائيلي، وعدم الاهتمام بالسودان، لأنه لا تتوفر الحقائق والموارد الضرورية لتلك العلاقة. وينبع إيمان هيكل باستراتيجية التوجه شرقا، وجعل الصراع العربي الإسرائيلي هو مركز استراتيجية الأمن القومي المصري، - ينبع من- البحث عن دور قيادي وطليعي لمصر في المنطقة العربية.أما البوابة الجنوبية، أي السودان فهو لا يعطي مصر دورا رياديا في المنطقة العربية هذا فضلا عن أن السودان لا يشكل أي خطورة على الإطلاق على مرتكزات الأمن القومي المصري.لكن في المقابل لا تحتمل مصر وجود نظام معاد لها في الخرطوم أو مستقل عن نفوذها السياسي الذي اكتسبته بالتأثير المباشر، ووجود نخبة سياسية موالية، وعبر صيرورة التراكم التاريخي.وأتذكر في هذا السياق الحوار الذي تم مع وزير الخارجية الأسبق د. مصطفي عثمان وكوندليزا رايس مساعدة وزير الخارجية للشئون الإفريقية في عهد كلنتون ومستشارة الأمن القومي للرئيس أوباما الآن. قالت كوندليزا رايس للدكتور مصطفي إسماعيل: ارتكبت حكومة الإنقاذ كل الأخطاء ولكنها أصابت في شيء واحد وهو استقلال السودان من النفوذ المصري.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"