بقلم : خالد موسي دفع الله الأحد 12-01-2014 الساعة 01:03 ص

جديرون بالاحترام: ضد هيكل في إفاداته الأخيرة عن السودان (2-3)

خالد موسي دفع الله

قال هيكل في مقابلته مع قناة سي بي سي المصرية الأسبوع الماضي إن السودان هو عبارة عن وضع جغرافي فقط، مما يعني أنه لم يرتق إلى مصاف الدولة أو الأمة. وتعني العبارة كما سنوضحها في سياقها التاريخي أن السودان عبارة عن كتل قبلية وجهوية صماء لا تجمع بينها هوية وطنية جامعة أو شعور قومي صادق أو روح سودانية خالصة. وهو يعني بهذه العبارة أن الانتماء في السودان للقبيلة وليس للوطن. وتنم هذه الإفادة عن ذهنية استعلائية لا تدرك الأبعاد التاريخية والحضارية للسودان في المنطقة. وهو ذات ما عبر عنه هيكل في كتابه الشهير (خريف الغضب) عندما عير السادات بسواد بشرته وأصله السوداني وقال إن السادات كان يعاني من عقدة لونه ودمائه السودانية. وقال هيكل في خريف الغضب إن أم السادات (ست البرين) كانت ابنة رجل يدعي خير الله تم استرقاقه وبيعه في دلتا النيل وقد ورث السادات من أمه ست البرين تقاطيع الزنجية وورث مع هذه التقاطيع مشاعر غاصت في أعماقه بعيدا، وقال إن السادات ظل يعاني من عقدة اللون حتى مماته.

وهيكل بالرأي السابق عن أن السودان حالة جغرافية فقط يؤكد أنه لم يزل واقفا في محطة 1953 التاريخية عند زيارته للسودان، لأنه وصف السودان للرئيس عبد الناصر بعد زيارته للخرطوم آنذاك قائلا: إن السودان هو مجموعة قبائل متفرقة قد تجمع بينها تحالفات ظرفية وعابرة ولكنها سرعان ما تذوب وتتلاشى وهذه القبائل لا تجمع بينهما هوية وطنية جامعة أو دولة حديثة. وقال هيكل في حديثه للقناة المصرية إنه أدرك منذ ذلك التاريخ أن الجنوب سينفصل من السودان. وذهب أبعد من ذلك وقال: السودان الراهن ليس دولة متماسكة، بل هو أربع سودانات في الشمال والجنوب والشرق والغرب. وأبدى هيكل في سياق تحليله النظري للراهن المصري اهتماما بدولة جنوب السودان وقال: يمكن لمصر أن تستفيد من الإمكانات الزراعية الهائلة في جنوب السودان والموارد المائية والطبيعية. وضرب صفحا عن ذكر أي تعاون إستراتيجي أو اقتصادي بين السودان ومصر وهو رغم الوضع الراهن المضطرب إلا أنه من ناحية إستراتيجية لا يوجد بدليل للبلدين سوى التعاون المشترك في جميع المجالات. وهيكل في سياق هذا التحليل يجعل من دولة جنوب السودان بديلا للعلاقات التاريخية للسودان في سياق التعاون الاقتصادي وسد الفجوة الغذائية التي ستواجه مصر خلال العقود القليلة القادمة لضيق المساحات الزراعية وزيادة الكتلة السكانية.

حسب روايته السابقة والتي سردها في حلقات برنامجه التوثيقي (مع هيكل) بقناة الجزيرة سابقا فقد التقى هيكل في زيارته للسودان في عام 1953 بالسيدين عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني، ورفض الميرغني أن يحدثه في السياسة وطفق يحدثه عن ممالك النحل والنمل والطيور حتى أدرك الرسالة وأنهى المقابلة دون أن يظفر بإجابة عن تساؤلاته، وقال له: تحدث في السياسة مع الخلفاء. وعلى عكس ذلك الموقف تحدث السيد عبد الرحمن المهدي مع هيكل وقال ردا على سؤاله عن تفضيل حزب الأمة للاستقلال، قال المهدي: نحن نتحدث مع الإنجليز، لأنهم مثل السائس الذي يقود عربة الكاريته التي يجرها حصان، فالسائس هم الإنجليز وهو الذي يقود العربة ويوجهها حيثما يريد، أما الحصان الذي يجر العربة فهم المصريون والحصان يأتمر بأمر السائس ولا يخالفه في أمر، لذا فإن السيد عبد الرحمن المهدي يتحدث مع الإنجليز عن أمر استقلال السودان وليس مع المصريين. وقال هيكل معلقا على حديث السيد عبد الرحمن المهدي إنه حديث ينطوي على حكمة وبعد سياسي واقعي.

ظل الأستاذ هيكل يفاجئ النخبة السودانية في كل مرة يطل فيها عبر النشر والإعلام بالتعليق على حوادث تاريخية تعارض تماما ما وقر في وجدان ومعرفة وإدراك الشعب السوداني. ومثالا لذلك كتب هيكل عن رئيس وزراء السودان الأسبق محمد أحمد المحجوب على هامش كتابه (بين الصحافة والسياسة) بأنه توسط لدى عبد الناصر لإطلاق سراح العقاد. وعرفه في هامش الكتاب بأنه رئيس وزراء السودان الأسبق واتهمه بأنه زير نساء، رغم صداقته العريقة معه.

وتلك التهمة أبعد ما تكون عن المحجوب الذي عرف بالثقافة والعفة والفصاحة والبيان. وقد نفى لي الأستاذ الراحل أحمد سليمان المحامي هذه التهمة المقيتة من قبل هيكل، وكما هو معروف كان أحمد سليمان صديقا مقربا من المحجوب، مؤكدا أن المحجوب كان مشهورا بالعفة والكرم إضافة إلى صفات النجابة والقيادة، والفصاحة والبيان، كما هو معلوم.

وأورد هيكل ذلك التعريف المنقوص عن المحجوب على هامش كتابه للتحقير بالقيادات السياسية السودانية، خاصة ذات النزعة الاستقلالية والأنفة والكرامة الوطنية.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"