بقلم : ندى الهاشمي الأحد 12-01-2014 الساعة 01:14 ص

ماذا لو كانت حياتنا بلا حرف؟

ندى الهاشمي

لا ينصاع الحرف إلا للغة، ولذلك هو وسيلة العاقل والجاهل، الصادق والكاذب، الشجاع والجبان، العامل والعاطل، بهذا يكمن كون الحرف هويتنا وموقفنا في هذه الحياة.

وقيل إن الحرف "صوت" يعتمد على مخرج معين، والحق أن وظيفة الحرف تتفوق على ذلك، لذا مازال تعريفه محط خلاف، لكن المتفق عليه أنه جذر الهوية، حتى بالنسبة للذين ينادون بصناعة هوية عالمية لا تعبر في الحقيقة سوى عن الشركات العابرة والمتعددة.

وأصل المعنى لكل شيء يكمن في الحرف، وعدالة ذلك أن الفكرة تفسير لغوي يعتمد على الحرف.

وصعود وهبوط صوت الحرف منحه شكله في معظم اللغات، ذلك أن الشكل يتحدد كتعبير عن الفاعلية الداخلية للشيء.

حين أقفلت اللغة عدد الحروف كانت تشير بذلك للقدرة على استيعاب هذا العالم عن طريق عدم ترك الباب مفتوحا لولادة حروف جديدة، وإن وجدت لن تبعد كثيرا عن هذا الحرف أو ذاك.

يسأل البعض إن كانت التحولات العالمية التي أوجدت الطائرة والمركبة الفضائية والإنترنت وغيرها من منجزات، سيكون عدد الحروف مناسبا لها.

غير أن الجزم بذلك، سواء كان مع أو ضد فكرة زيادة عدد الحروف لا يمكن اعتباره ثورة في الفكر، فالاستقرار ليس إلا خدعة، والتطورات قد تحدث بمئات السنين وقد تحدث في مجال اللغة بسنوات.

إن جبهة الحرف ليست اللغة، بل الإنسان، غير أن ابتداع كلمات جديدة أمر شاق، لكن صناعة المعنى الجديد هي مهمة تتعلق بالأمل والخيال.

وملامح المدن تتشكل من خلال ذائقة بصرية تتجسد في حروف، وما ذلك إلا لكون الجمال في أحد جوانبه سؤالا لغويا.

ويمكن تحليل عملية اختطاف هوية الشعوب بأنها بدأت ومازالت عن طريق اغتيال للحرف، والتضحية بمكان وجود الحرف محصلة واقعية لهذا الاغتيال.

إن العالم الذي يصنع مجده أو يخوض حروبه إنما يفعل ذلك استنادا للحرف، وقصائد الحب أو السلام تعيش بسبب الحرف وكذلك خطاب الكراهية.

وحينما ولدت الكتابة كانت تعبيرا عن الخيال الذي صاغ الحرف.

وفي الوطن العربي هناك حرب مفتوحة على الدور الثقافي للحرف، لهذا الكتاب في عزلة، وأمسيات الثقافة والأدب بلا جمهور.

حتى ملامح المدن لا تمكن صياغتها بلا ذائقة بصرية وبدون الحرف الذي هو أيضا جزء رئيسي في هويتنا.

بدون حرف لا تسأل عن الهوية، وجذر الجذر هو الحرف حتى مع إمعان البعض في تسليم الحرف إلى الغزاة الثقافيين عن طريق اعتبار الهوية مجرد "زي محلي".

لهذا نجد أن الحرف هو تلك البداية في كل شيء، ومن غيره لا نمنح أنفسنا التقدم خطوة.

وحينما زج بالحرف في اللوحة قيل إن ذلك هو "الحروفية"، وكان يقصد بذلك منح هوية لهذا التيار الفني.

يمتلك الحرف دوره وحيدا أو عند اجتماعه في كلمة، والعالم كله بني على فرضية أن التعدد اللغوي في حقيقته تعدد في الحروف، ومن يعتقد أن الحرف ليس أصل اللغة لا يمكنه أن يثبت ذلك من دون الحرف.

والسؤال كيف يمكن أن تكون حياتنا من دون الحرف، يعيدنا إلى فكرة كيف أن تكون الأرض بلا إنسان.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"