بقلم : خالد موسي دفع الله الأربعاء 15-01-2014 الساعة 01:24 ص

جديرون بالاحترام: ضد هيكل في إفاداته الأخيرة عن السودان (3-3)

خالد موسي دفع الله

قال الأستاذ هيكل في ذات السياق: إن الرئيس نميري بعد مؤتمر القمة العربية في الرباط في ديسمبر 1969 أعرب عن قلقه من الاهتمام بالثورة الليبية أكثر من السودانية. وقد التمس نميري من عبد الناصر زيارة السودان، حابسا غيرته من زيارة ناصر إلى بنغازي أولا، رغم سبق ثورة مايو في السودان على ثورة الفاتح في ليبيا.. وقد أشار هيكل إلى هذه النقطة مجددا عندما نقل وقائع الاجتماع الأول بين جمال عبد الناصر والقيادة السوفيتية في زيارته الأولى لموسكو، حيث أبدى الروس اهتماما بثورة الفاتح لموارد البترول، بينما لم يكترثوا للتغيير الذي حدث في السودان رغم أنه كان محسوبا عليهم في بادئ الأمر.

استجابة لطلب الرئيس الأسبق نميري، زار عبد الناصر الخرطوم في رأس السنة الفاصلة بين سنوات القلق والغليان 1969-1970. وفي الخرطوم ذهب إلى منزل الرئيس نميري وتعرف على أسرته، كما خاطب عددا من الحشود الجماهيرية، واستغل نميري تلك الزيارة ليعلن قرارات التأميم المشهورة. في الخرطوم انبثقت التوجهات الإستراتيجية الجديدة لعبد الناصر في الصراع العربي الإسرائيلي، حيث قال عبد الناصر لهيكل إنه بعد أن اتضحت المواقف العربية في قمة الرباط، وحدوث ثورة السودان وليبيا، لا بد من نقل الصراع من الإطار المحلي إلى النطاق الإقليمي والدولي. ولابد من تأثير الصراع العربي الإسرائيلي على موازين الحرب الباردة بين القطبين، وفي ذلك الوقت قرر عبد الناصر زيارة موسكو لرفع وتيرة الصراع إلى المستوى الدولي ليكون جزءا من أجندة الحرب الباردة. يقول هيكل: "كان الناس يحتفلون برأس السنة في الخرطوم، وأنا أتمشى على شاطئ النيل، متجها نحو حدائق المقرن، حيث يلتقي النيلان الأبيض والأزرق، وكنت مهموما أفكر فيما قاله لي عبد الناصر من ضرورة رفع الصراع إلى المستوى الدولي". وكانت السنة التي شهد ميلادها هيكل بالخرطوم حبلى بالجديد والمثير في خارطة الصراع العربي الإسرائيلي وإعادة تشكيل الخارطة العربية.

وزعم هيكل لنفسه دورا تاريخيا لمنع ضرب الجزيرة أبا بسلاح الطيران المصري. وحسب روايته: اتصل الرئيس الراحل نميري بالرئيس عبد الناصر في مطلع عام 1970 شاكيا من ازدياد المعارضة المسلحة للثورة من قبل الأنصار بالجزيرة أبا، وعدها منفذا لعودة الرجعية مما يستدعي التعامل معها بحسم. وطلب نميري الاستعانة بسلاح الجو المصري. وعرض هيكل نص المحادثة التي جرت بين نميري وعبد الناصر حسب رصد هيئة الإرشاد المصرية، حيث وصف هيكل المحادثة بالوضوح التام.. وسرعان ما أحال عبد الناصر الطلب السوداني إلى الفريق فوزي وزير الحربية طالبا إعداد العدة والتجهيزات ، للقضاء على الأنصار في الجزيرة أبا.. وتم تحديد أسراب الطائرات التي كانت تضم الأنتنوف، وقادة السرب منهم العميد مصطفى أمين، والعميد محمد حسني مبارك رئيس الجمهورية المصرية لاحقا. وكان أن تم نشر فرق استطلاع سياسية وعسكرية في المنطقة لتوجيه وتصويب الضربات.

وقال هيكل: عندما أطلعني جمال عبد الناصر على خطة ضرب الجزيرة أبا بواسطة سلاح الطيران المصري ، طرحت له رأيا مغايرا، مشيرا إلى أنه لا يجوز أن يتدخل سلاح الجو المصري لإراقة دماء الشعب السوداني مهما تكن الخلافات السياسية. وأن تدخل مصر العسكري في معركة الخلاف السياسي مع الأنصار سيسمم مستقبل العلاقات بين البلدين إلى الأبد، كما أشار حسب زعمه إلى أهمية منطقة حوض النيل، وضرورة الابتعاد عن أي تدخلات عسكرية للحفاظ على حقوق مصر التاريخية في مياه النيل. واقترح بديلا للضربة العسكرية حل المشكلة سياسيا. وقال هيكل عارضا وثيقة أخرى بخط عبد الناصر موجهة للفريق فوزي وزير الحربية، إن رأي هيكل يبدو معقولا لأنه لا توجد أهمية سياسية للجزيرة أبا، بل يجب الاهتمام بالخرطوم فقط. أي يمكننا التدخل إذا تم تهديد الخرطوم وليس التدخل لقمع تمرد في منطقة نائية بالسودان. وطلب عبد الناصر من الفريق فوزي إبلاغ أنور السادات بوقف الضربة الجوية للجزيرة أبا قبل سويعات من بدء العملية.. وهنا يقرظ هيكل من القدرة القيادية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حيث يرى أن عبد الناصر قد استمع لصوت التاريخ أيا كان مصدره، واستجاب لرأي هيكل لوقف ضرب الجزيرة أبا، وهذه خصلة نادرة في القادة ومتخذي القرار، في أن يستجيبوا للنصح والمراجعة، بل وأن يحنث بوعد بذله للرئيس نميري بالإمداد العسكري. وبالتالي ينسب هيكل لنفسه فضل انسحاب الجيش المصري عن ضرب الجزيرة أبا، مدعما ذلك بالوثائق والمخطوطات.. ولكن رغم هذه الرواية إلا أن هناك شبه إجماع وسط السودانيين أن سلاح الجو المصري تدخل بالفعل في قصف الجزيرة أبا بقيادة الرئيس الأسبق حسني مبارك، رغم أن هيكل يزعم أن قصف الجزيرة تم بمدافع الهاون، وربما بعض طائرات سلاح الجو السوداني، ولكنه ينفي نفيا قاطعا تدخل الجيش المصري في هذه الحادثة، ونتيجة لموقف عبد الناصر غضب الرئيس نميري وقرر اقتحام الجزيرة أبا بالجيش السوداني..

ويفاجئ هيكل في برنامجه (مع هيكل) مرة أخرى الجمهور السوداني زاعما أن الإمام الهادي مات مسموما بفاكهة قدمت له في كسلا في طريقه للهرب واللجوء نحو أثيوبيا.. ويؤكد ذلك بتحديد نوع الفاكهة (مانجو).. وقال إن هذا النوع الغامض من الاغتيالات مشهور في أفريقيا، بدليل أنه لم يتم التوصل إلى القاتل الحقيقي حتى اليوم.. في المقابل تكشف ملابسات التاريخ المثبتة، والتحقيقات التي أجريت فيما بعد أن الإمام الهادي اغتاله أحد أفراد البوليس في الحدود المشتركة مع أثيوبيا. واستعرض هيكل ضمن وثائقه خطاب بعثه الرئيس نميري إلى عبد الناصر في 8 أبريل 1970، ابتدأ الخطاب بالصيغة التالية (أيها الأخ الرئيس جمال).. وقال هيكل إنه أدرك على الفور أن محرر الخطاب شيوعي، لأن صيغة النداء التي تبدأ (بأيها) من متلازمات الخطاب العقائدي لدى الشيوعيين. وحمل الخطاب الذي أرسله نميري إلى عبد الناصر ربطا أيدلوجيا بين التطورات السياسية في الداخل، وبين ما يحدث على الساحتين الإقليمية والدولية، حيث أشار إلى أن الاستعمار ظل يكثف مؤامراته منذ يونيو 1967، ولكن انفجار الثورتين مايو وسبتمبر في السودان وليبيا خلق روافد جديدة للثورة العربية الاشتراكية.. وهنا قال هيكل: إن خطاب نميري أدرك مسار التاريخ.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"