بقلم : عبدالهادي الخلاقي الإثنين 24-02-2014 الساعة 01:44 ص

عصر التفاوض والسياسة الخارجية

عبدالهادي الخلاقي

أضحت المفاوضات في العصر الحديث ميداناً مهماً من الميادين العلمية والسياسية نتيجة لازدياد حجم العلاقات بين الدول في مختلف المجالات وعلى مختلف المستويات، والمفاوضات إنما هي وسيلة لتحقيق غايات الشعوب.

في السابق كان العرب المسلمون يجيدون فن التفاوض وإدارة الحكم حتى إن بعض حكام أوروبا لم يجدوا في أنفسهم غضاضة من أن يتوجهوا إلى السياسيين العرب كي يتتلمذوا على أيديهم في هذا المجال كما فعل امبراطور ألمانيا في القرون الوسطى، وكذلك فعل ميكافيلي أول من ألف كتاب "الأمير" في حيل الحكم والسياسة الذي ألفه سنة 1513م حيث تأثر بالفكر الشرقي، وكان ملوك أوروبا يترجون أمراء الأندلس بالسماح لأبنائهم بالالتحاق بمعاهد العلم في الأندلس أبان الحكم الإسلامي لها.

ما يمر به وطننا العربي اليوم من تكالب الأمم عليه؛ حيث نخرت في جسده المؤامرات وأهلكته الحروب والفتن والقلاقل، يجعلنا بأمس الحاجة الى سياسة خارجية فطنة تقوم على أسس مهنية في إدارة المفاوضات ورسم السياسات التي تحقق غاية ونماء وأمن أوطاننا، ونتيجة لهذه الإخفاقات الدبلوماسية لابد من إعادة النظر في اختيار من يتولى المناصب السياسية والدبلوماسية في الدولة ومنها منصب وزير الخارجية والسفراء والعاملين في البعثات الدبلوماسية، فالكثير منهم يتم اختيارهم على أساس الولاء للحاكم وهذا أمر مسلم به، ولكن الولاء قلما يبني مهنية في العمل، فلابد أن يكون المعياران هما "الولاء" "والكفاءة" فيمن يُرشح لمثل هذا العمل السياسي الدبلوماسي.

مجلس التعاون الخليجي يجب أن يضطلع بدور أكثر ريادية في هذا المجال من خلال تأسيس معهد خليجي متخصص يتبع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، تُدرس فيه فنون التفاوض والعمل السياسي وقواعده وأسسه ومرتكزاته، من أجل بناء وتأهيل جيل وطني متسلح بالمعرفة حذق واسع الحيلة، يعرف كيف يدافع عن مكتسبات الوطن وسياسته وينتهز الفرص ويبني علاقات دبلوماسية ناجحة مع شعوب العالم التي تعتبر السياسة وفن التفاوض أداتها الأساسية في ربح أي معركة، فالعالم أصبح يدار خلف الكواليس ولم تعد الآلة العسكرية هي التي تدير العالم وتفصل في النزاعات أو تحدد المصالح الدولية بل العمل السياسي المحترف هو من يكسب المعركة في أي مجال.

المأمول من هذا المعهد أن يُنشئ جيلا دبلوماسيا "سياسيا" مترابطا في علاقاته، متفقا في سياساته ورؤاه وتطلعاته، عندما يتشارك هذا الجيل العيش والدراسة لفترة زمنية؛ سوف تنشأ بينهم علاقات وروابط اجتماعية قوية، كما أن زملاء الدراسة كثيراً ما تتقارب رؤاهم وتطلعاتهم وتُبنى عقولهم في مكان واحد ويتشاركون العناء والمشقة في دراستهم.

هذه الاستراتيجية كان يمارسها الاتحاد السوفيتي السابق، حيث كان يمنح أعداد كبيرة من طلاب الدول الاشتراكية مقاعد دراسية في جامعاته وفيها يتم صقل مواهبهم ويتم شراء ولائهم، حيث يتكون لديهم انتماء لهذا الكيان ويتبنون هذا الفكر الشيوعي وتوجهاته، وهكذا يعمل النظام الإيراني في تفريخ عملاء مدينة "قم" لتصديرهم إلى الدول العربية ومنها العراق ولبنان واليمن والبحرين والسعودية ودول أفريقيا.

نعم لدينا كفاءات دبلوماسية تخدم أوطاننا ونعتز ونفتخر بها ولكنها قليلة ومحدودة وهذا ما فوت علينا فرص كثيرة وكبيرة في نفس الوقت، فالعمل الدبلوماسي اليوم أصبح أكثر أهمية من ذي قبل، وعلينا الاستفادة مما نراه اليوم من تكتلات إقليمية ودولية وتقاسمات للمصالح في منطقة الشرق الأوسط "ومن لديه حيلة فليحتال" وكما يقال: "الشاطر اللي يلعبها صح" والمتقن المدرك لخيوط اللعبة السياسية الدبلوماسية هو من يربح المعركة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"